مجلس الذهب العالمي يكشف عن مفاجآت قوية بشأن الطلب على المعدن الأصفر
بقلم: الخبير الاقتصادي محمد قيس عبدالغني
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، واستمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي عالمياً، يتجدد الحديث في الأوساط المالية عن مستقبل أسعار الذهب، حيث تتداول التقديرات حول إمكانية وصوله إلى مستويات تاريخية قد تتجاوز 4600 دولار للأونصة. هذا السيناريو الذي طرحته كبرى البنوك العالمية خلال الأيام الماضية أثار العديد من التساؤلات حول جدية هذه التوقعات، وما إذا كان الذهب مقبلاً على موجة صعود عنيفة، أم أن الأسواق تستعد لتصحيح حاد خاصة مع تزايد احتمالات التوصل إلى هدنة في الشرق الأوسط.
أولاً: المنظور الاقتصادي
من الناحية الاقتصادية، يمر الاقتصاد الأمريكي بمرحلة شديدة الحساسية، أبرز ملامحها تعثر إصدار البيانات الرسمية نتيجة إغلاق الحكومة الفيدرالية، الأمر الذي يزيد من غموض المشهد الاقتصادي ويضعف ثقة الأسواق. وفي خضم هذا الغياب للبيانات، يعتمد مجلس الاحتياطي الفيدرالي على نماذج تنبؤية داخلية لتقييم الوضع، ما يعزز حالة عدم اليقين ويدفع المستثمرين نحو أدوات التحوط وفي مقدمتها الذهب.
كما أن محضر الاجتماع الأخير للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC) أشار إلى إجماع على خفض أسعار الفائدة بـ25 نقطة أساس، في إشارة واضحة إلى تحوّل السياسة النقدية نحو المزيد من التيسير، وهو ما يُعد عاملاً داعماً لسعر الذهب باعتباره أصلاً لا يدر فائدة، وتزداد جاذبيته في فترات الفائدة المنخفضة.
ثانياً: البعد الجيوسياسي
أما من الزاوية الجيوسياسية، فإن احتمالات توقيع هدنة في الشرق الأوسط لا تُنهي بالضرورة التوترات الإقليمية، بل قد تمهّد لولادة أزمات جديدة. وبينما تعوّل بعض التقديرات على تراجع أسعار الذهب عقب توقيع الهدنة، تشير المعطيات إلى أن هذا التراجع ــ إن حدث ــ سيكون مؤقتاً وغير عنيف، لأسباب عدّة:
تصاعد وتيرة الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، خاصة بعد تصريحات أمريكية تتوعد بفرض رسوم جمركية جديدة رداً على ملف المعادن النادرة.
استمرار الأزمة الأوكرانية الروسية دون حلول حقيقية.
تمسك العديد من البنوك المركزية حول العالم ــ وعلى رأسها دول البريكس ــ بسياسات شراء الذهب، كوسيلة للتحرر من هيمنة الدولار.
جميع هذه العوامل تخلق بيئة مضطربة تدفع بالمستثمرين نحو الذهب كملاذ آمن يحفظ القيمة في فترات الاضطرابات.
ثالثاً: النظرة الفنية للسوق
فنيًا، يُظهر الرسم البياني استمرار الذهب في التداول ضمن قناة صاعدة واضحة، مدعومة بعدة مؤشرات إيجابية، أبرزها:
بقاء الأسعار فوق المتوسط المتحرك لـ55 يوماً.
الثبات فوق مستوى الدعم المحوري عند 3900 دولار للأونصة.
الحفاظ على الاتجاه الصاعد طويل الأمد دون كسر فعلي.
وتُظهر التحليلات الفنية أن اختراق مستوى المقاومة 4060 دولار قد يشعل موجة صعود جديدة تستهدف مستويات 4160 ثم 4280 دولار. وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن الطريق نحو 4600 دولار ــ كما رجحت بعض البنوك الكبرى ــ لن يكون مستبعداً، خصوصاً مع استمرار العوامل الداعمة على الصعيدين الاقتصادي والجيوسياسي.
هل هناك احتمالية للتصحيح؟
نعم، تبقى احتمالية التصحيح قائمة، خصوصاً في حال شهدت الأسواق انفراجاً سياسياً مفاجئاً أو هدنة شاملة في بؤر التوتر. لكن من غير المرجّح أن يأخذ هذا التصحيح طابع الانهيار، بل سيكون بمثابة إعادة اختبار للمستويات الفنية الرئيسية، خصوصاً إذا حافظ الذهب على تماسكه فوق مستوى 3900 دولار.
خلاصة القول
إن الذهب، في ضوء المعطيات الحالية، يقف على مفترق طرق حاسم. فرغم التوقعات المتفائلة التي تتحدث عن مستويات قد تصل إلى 4600 وربما 5000 دولار على المدى الطويل، إلا أن التحرك القادم سيعتمد بشكل كبير على:
مصير التوترات السياسية في الشرق الأوسط وأوروبا.
اتجاه السياسة النقدية الأمريكية.
مسار الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم.
مدى إقبال البنوك المركزية على شراء الذهب كاحتياطي استراتيجي.
وعليه، فإن القراءة الشاملة للأحداث تشير إلى أن الذهب لا يزال يحتفظ بزخمه الصعودي، مع بقاء السيناريوهات التصحيحية محدودة في نطاق فني يمكن مراقبته والتحوط منه.
