جدل بين الثيران والدببة حول حكم المحكمة العليا بشأن التعريفات الجمركية يوم الجمعة
ارتفاع أسعار الذهب الأخير إلى $4180ليس موجة صعود عشوائية، بل هو جزء من تحول هيكلي واسع يُعرف اليوم باسم نظرية إفقار العملات (Debasement Theory).
ببساطة، بدأ المستثمرون يتخلون عن العملات الورقية والسندات الحكومية التي تآكلت عوائدها الحقيقية على مدى عقود من السياسات النقدية المفرطة والعجوزات المالية المستمرة.
فالاقتصادات المتقدمة، من الولايات المتحدة إلى اليابان ومنطقة اليورو، لا تظهر أي مسار لإصلاح أوضاعها المالية. إذ تستمر نسبة الدين إلى الناتج المحلي Debt/GDPفي الارتفاع، بينما تستهلك خدمة الدين جزءًا متزايدًا من الميزانيات. وكل جولة إضافية من التيسير الكمي أو الإنفاق بالعجز أو إعادة تمويل الديون تمثل خطوة جديدة في إفقار العملة ذاتها.
هذا الواقع أعاد سلوكاً عمره قرون: البحث عن الأمان ليس في العملات الورقية، بل في الأصول الملموسة النادرة وغير المسيسة مثل الذهب والفضة. ويظهر هذا التحول بوضوح في الاحتياطيات الرسمية، حيث أصبح الذهب يشكل حصة متزايدة من احتياطيات البنوك المركزية، على حساب هيمنة الدولار الأمريكي.
وكما قال أحد المحللين الاستراتيجيين في الأسواق: لا يوجد بديل عن الذهب.
فمع تراجع مصداقية العملات الكبرى في آن واحد، يستعيد الذهب مكانته كأصل الاحتياط النهائي وكركيزة نقدية في عالمٍ فقد توازنه المالي.
العوامل الاقتصادية الدافعة للارتفاع
- الاختلالات المالية ومخاطر الديون السيادية
العجوزات المالية المتزايدة في الاقتصادات المتقدمة تفوق معدلات النمو الاقتصادي. وأسواق السندات تطالب بعوائد أعلى لاستيعاب الإصدارات القياسية، لكن تلك العوائد الأعلى تزيد من عبء العجز، في دائرة غير مستدامة تقوّض الثقة في الديون السيادية. - تراجع العوائد الحقيقية
حتى مع بقاء العوائد الاسمية قرب 4%، فإن توقعات التضخم ما تزال حول 3%، ما يُبقي العوائد الحقيقية شبه معدومة، ويزيل التكلفة الفرصية للاحتفاظ بالذهب والمعادن التي لا تدر عائداً. - مشتريات البنوك المركزية
وفقًا لبيانات مجلس الذهب العالمي، واصلت البنوك المركزية – بقيادة الصين والهند وتركيا وعدة دول ضمن مجموعة البريكس – شراء الذهب للشهر الثامن عشر على التوالي. وهذا يعكس اتجاهًا استراتيجيًا نحو خفض الاعتماد على الدولار الأمريكي وإعادة تسييل الذهب كمكوّن نقدي في الاحتياطيات. - تنويع العملات
أدى استخدام الدولار كسلاح من خلال العقوبات إلى دفع العديد من الدول للبحث عن الحياد المالي عبر الذهب، باعتباره أصلًا محايدًا سياسيًا ومحصنًا من تجميد الأرصدة أو القيود على رأس المال. - نفسية السوق وملل العملات الورقية
بعد خيبات الأمل الناتجة عن وهمي “السيولة الدائمة” و“التضخم العابر”، أصبح المستثمرون يفضلون القيمة الملموسة على الابتكار المالي. كما أن ارتفاع الفضة بالتوازي مع الذهب يشير إلى أن التحرك منهجي وليس مضاربيًا.
النظرة الفنية
يُظهر الرسم البياني لمدة 30 دقيقة اتجاهًا صاعدًا واضحًا يتميز بقمم وقيعان متزايدة.
والتصحيح الأخير من 4180 إلى 4090 يُعد مرحلة تجميع ضمن الاتجاه الصاعد وليس انعكاسًا هبوطيًا.
تشير مستويات تصحيح فيبوناتشي المستخلصة من الموجة بين 3820 → 4214 إلى دعم قوي بين 4050 – 3980 (بين 38.2% و50%).
طالما بقي الذهب فوق 4050، فإن المسار الأسهل يبقى نحو الصعود.
- المقاومة الفورية: 4145 – 4160
- الهدف الأول: 4214
- الهدف الثاني: 4305
- الدعم الرئيسي: 4050 → 3940
انخفض مؤشر القوة النسبية RSI (14) إلى نحو 47 بعد أن كان في منطقة التشبع الشرائي، ما يشير إلى استراحة صحية قد تسبق انطلاقة جديدة نحو الأهداف المذكورة. إغلاق قوي فوق 4160 سيؤكد استئناف المسار الصاعد.
الزخم والتركيب السعري
يواصل الذهب التداول فوق المتوسطين المتحركين لـ 20 و50 فترة، محافظًا على زخم صعودي ثابت.
وتُظهر تحليلات الحجم أن الضغوط الشرائية مستمرة أثناء الارتفاعات، مما يدل على أن المؤسسات المالية تشتري أثناء الهبوط بدلاً من البيع عند الارتفاع.
القناة الصاعدة الممتدة منذ أوائل أكتوبر لا تزال سليمة، وكل ملامسة لحافتها السفلى تؤدي إلى ارتدادات سريعة، مما يعزز استقرار الاتجاه.
المعنويات والمراكز المفتوحة
بيانات العقود الآجلة تُظهر زيادة في المراكز الشرائية الصافية لدى مديري الأموال، بينما تحولت تدفقات صناديق الـETF إلى الإيجابية لأول مرة منذ منتصف العام.
المستثمرون الأفراد أكثر حذرًا، وهي سمة معتادة في المراحل الأولى من دورات الصعود عندما يبدأ المحترفون بالشراء قبل انضمام الجمهور العام.
كما تبقى التقلبات معتدلة، ما يشير إلى أن المراكز حالياً استراتيجية وليست مضاربية، وأن السوق لم يبلغ بعد مستويات الحماسة المفرطة.
مخاطر السيناريو الصاعد
- عودة ارتفاع مؤشر الدولار الأمريكي (DXY) فوق 102.50 قد تؤدي لتصحيح قصير الأجل.
- قراءات تضخم مفاجئة صعودًا قد ترفع العوائد الحقيقية مؤقتًا وتدفع نحو بيع آلي للذهب.
- إصلاحات مالية سريعة – وإن كانت مستبعدة – قد تعيد الثقة في السندات وتبطئ تدفقات الذهب.
- جني أرباح قصير الأجل بعد الارتفاع الحاد قد يسبب تصحيحات نحو 4050 – 3980 قبل الموجة التالية.
النظرة الاستراتيجية
تؤكد تلاقي العوامل الاقتصادية الهيكلية مع المؤشرات الفنية الإيجابية على صورة صعودية متوسطة الأجل.
وتُشير نظرية الإفقار الكبرى (Grand Debasement Theory) إلى أن هذا الارتفاع ليس مجرد دورة سعرية عابرة، بل هو إعادة تسعير نقدية يعيد فيها الذهب تأكيد مكانته كمعيار للقيمة أمام العملات الورقية المتراجعة.
ومع غياب أي اقتصاد رئيسي يملك خطة واقعية لإعادة التوازن المالي، واستمرار البنوك المركزية في تنويع احتياطياتها، تبقى الوجهة طويلة الأجل للذهب صعودية.
الخلاصة – «لا بديل عن الذهب»
بلغة الأسواق، يبدو أن عقد العشرينيات من هذا القرن سيكون عقد إفقار العملات والسيطرة المالية.
فلم تعد الملاذات القديمة ، مثل السندات الحكومية والعملات الورقية ، توفر أمانًا أو عائدًا حقيقيًا.
أما الذهب، فيجمع بين الندرة والحياد، إذ لا يمكن طباعته أو مصادرته أو التخلف عن سداده. ولهذا فهو يستعيد هيمنته ليس فقط في المحافظ الخاصة بل أيضًا في ميزانيات البنوك المركزية.
ما لم تقدم الاقتصادات الكبرى خطة جادة لإصلاح ماليتها العامة، وهو أمر مستبعد حاليًا، فإن الهجرة من الأصول الورقية إلى المعادن الثمينة ستستمر.
وفي هذا السياق، فإن سعر 4305 دولارًا للذهب قد لا يكون سوى محطة مؤقتة، لا النهاية.
