مدير صندوق التحوط يحذر: إذا خضع الفيدرالي لترامب العقاب سيأتي من الأسواق!
ما وراء الارتداد: لماذا ارتفعت أسعار الذهب؟
لقد شهدنا في جلستين متتاليتين تفاعلاً بارزاً في سوق الذهب: أمس انخفاض إلى أدنى مستوى خلال نحو أسبوع، واليوم ارتداد بنسبة تجاوزت 1.2٪ لتلامس مستويات قريبة من 3 981 دولاراً للأونصة. هذا التحرك ليس مصادفة، بل يجسّد تصحيحاً سريعاً في سوق يعاني من تغييرات في المزاج المالي والمناخ النقدي.
أ. العلاقة التقليدية بين الذهب وأسعار الفائدة
من البديهي أن المعدن الأصفر لا يدر عائداً دورياً مثل السندات، لذا فإن تكلفة الفرصة البديلة في الاحتفاظ به ترتبط بأسعار الفائدة الحقيقية. حين تنخفض أسعار الفائدة الحقيقية، يقل العائد البديل للاحتفاظ بالذهب، مما يعزّز الطلب عليه. في المقابل، إذا ارتفعت الفوائد الحقيقية – أو بدا أن البنك المركزي سيتجه للتشديد – فإن الذهب يُعرض لضغوط. هذه القاعدة الاقتصادية البسيطة تصدُق عملياً في فترات عدّة. (Discovery Alert)
في السياق الأميركي الحالي، شهدنا في وقت سابق تخفيضاً من Federal Reserve (البنك المركزي الأميركي) لأسعار الفائدة، ثم تصريحات رئيسه Jerome Powell بأن خفضاً إضافياً هذا العام ليس مضموناً، مما أضعف توقعات السوق لخفضات مستقبلية – الأمر الذي يرفع من تكلفة الفرصة للاحتفاظ بالذهب ويضغط على السعر. ووفق أداة “FedWatch” التابعة لـ CME Group، انخفضت احتمال خفض السعر في ديسمبر إلى نحو 69 ٪ بعد أن كانت تفوق 90 ٪.
هذا التراجع في التوقعات ساهم في التذبذب الذي شهدناه في جلسة الانخفاض، قبل أن يأتي الارتداد.
ب. قوة الدولار والدينامية العالمية
الدولار الأميركي، والذي بنحو ما يُسعّر العالم للذهب، ظلّ عند/قرب أعلى مستوياته في نحو ثلاثة أشهر، مما يزيد من تكلفة الذهب بالنسبة لحائزي العملات الأخرى ويحدّ من الطلب الخارجي. هذا العامل عادليناً من زاوية “فرصة الشراء” للمنتجين والمستثمرين غير الأميركيين. وفي الوقت نفسه، ارتفاع الدولار يرتبط بزيادة عوائد الأصول المقومة به – ما يقلّل جاذبية الذهب. التقرير التحليلي الصادر أفاد بأن انخفاض أسعار الذهب تحت 4,000 دولار جاء بينما ظل الدولار ثابتاً عند مستوى مرتفع. (The Economic Times)
ج. أثر الصوت الاستراتيجي: الذهب كملاذ وإشارة
إلى جانب الاعتبارات النقدية والفنية، يُنظر إلى الذهب في ظل ضبابية السوق العالمية – سواء في مسار النمو أو السياسات النقدية أو التوترات الجيوسياسية – كملاذ أو كأداة للحماية من المفاجآت. بحسب تحليل لـ Morgan Stanley، صعود الذهب في السنوات الأخيرة لم يكن ناتجاً فقط عن التضخم أو خفض الفائدة، بل أيضاً عن قلق المؤسسات تجاه “فقاعة التقنية” وضعف الثقة في النمو التقليدي، وعن إعادة تقييم دور الدولار كمخزون قيمة. (Morgan Stanley)
من هنا، الارتداد اليوم في سعر الذهب يمكن قراءته كـ «فرصة اقتناص» من بعض المستثمرين الذين رأوا أن الانخفاض أمس كان مفرطاً نسبياً، خاصة مع عزوف عام عن المخاطرة في الأسواق المالية وتراجع واسع لأسهم آسيا وأميركا، مما دفع بعض الطلب إلى الذهب. كما قال كبير محللي العملات في “ريلاينس سيكيوريتيز”: إن “عمليات شراء اقتناص صفقة مع عزوف عن المخاطرة على نطاق أوسع تدعم الطلب على الذهب باعتباره ملاذاً آمناً”.
المواءمة الاستراتيجية: ماذا يعني هذا الاتجاه على المستوى العالمي والإقليمي؟
أ. التوقعات المؤسّسية: استهداف أعلى
من أبرز المعطيات التي يجب أخذها في الحسبان: رأي مؤسسات كبرى مثل J.P. Morgan Chase & Co. التي توقّعت أن يصل متوسط سعر الأوقية إلى 5 055 دولاراً بحلول نهاية عام 2026، مع احتمال الوصول إلى 6 000 دولار بحلول 2028 لاحقاً، واعتبرت الذهب أعلى التوصيات لديها. (Reuters)
هذه التوقعات تعكس رؤية مفادها: إذا دخلنا في دورة خفض سعر الفائدة من جانب الاحتياطي الأميركي، وفي ظل ضغوط تضخم وإعادة تشكيل هيكل الاحتياطيات العالمية، فإن الذهب في موقع قوي. وضمن هذا السياق، ارتفاع السعر اليوم ليس “قمة” بحد ذاته، بل ربما إعادة ترتيب لموقع الذهب في محفظة المستثمر العالمي.
ب. الطلب الرسمي والاحتياطي: تغيير في ديناميات الاحتياطات
جزء من الصعود الأخير للذهب يعود إلى عمليات شراء من البنوك المركزية حول العالم (خاصة في الاقتصادات الناشئة) كجزء من استراتيجية تنويع خارج الدولار أو تقليص الاعتماد عليه. التحليل يقول إن هذه الحركة ليست مؤقتة، بل تعكس تحوّلاً هيكلياً في الاحتياطات. (Discovery Alert)
لهذا، ليس الأمر فقط مرتبطاً بالمضاربات اليومية أو بأسعار الفائدة الأميركية، بل أيضاً برؤية استراتيجية تفيد بأن الذهب سيظل مكوناً رئيسياً في مزيج الاحتياطي العالمي – وهو ما يدعم “سقف الطلب” على المعدن.
ج. ماذا يعني للمستثمر الإقليمي والمستهلك النهاري؟
بالنظر إلى منطقتنا (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) حيث يلعب الذهب دوراً ثقافياً واقتصادياً، فإن الوضع الحالي يطرح أسئلة تتعلّق باستراتيجية الاستثمار والادخار:
- للمستثمر الذي يحمل الذهب كجزء من المحفظة، الانخفاض إلى نحو 3،900 دولار ربما مثّل “منطقة اقتناص” وجزءاً من الضغوط الفنية، لكن الارتداد يُشير إلى أن المعدن لا يزال يحتفظ بقدرة على تحرّك صاعد إذا ما توفّرت محفّزات كافية.
- للمستهلك الذي يشتري الذهب بغرض الادخار (زي شراء سبائك أو مشغولات)، فإن ارتفاع السعر يدعو إلى مراجعة توقّعاته لخفض المخاطر، وربّما التفكير في التزام أفق طويل بدلاً من توقّعات الربح القصير.
- من الناحية النقدية، فإن تحول الذهب إلى أداة انعكاس لتغيّر سياسات البنوك المركزية يجعل من الضروري متابعة المؤشرات الاقتصادية العالمية وليس فقط المحلية.
سيناريوهات المستقبل: ما هي العوامل التي يُنظر إليها، وما الذي يمكن أن يحدث؟
أ. السيناريو الإيجابي – “دورة خفض الفائدة والتراجع النسبي للدولار”
في هذا السيناريو، لو تراجعت توقعات التضخم الأميركية أو تباطأ نمو الاقتصاد الأميركي، وما زالت سوق العمل تُظهر ضعفاً أو على الأقل تباطؤاً، فإن الاحتياطي الأميركي قد يبدأ دورة خفض أسعار الفائدة بشكل أوضح، مما يؤدي إلى انخفاض العائد الحقيقي، وانخفاض الدولار، وارتفاع متسارع للذهب. هذا السيناريو يتماشى مع توجهات بعض المؤسسات الكبرى التي استبقت هذا المسار.
في هذه الحالة، قد نشهد اختراقاً سريعا لمستويات أسعار النفط والسلع، وزيادة أوسع في الذهب إلى ما فوق 4 200 أو 4 500 دولار للأونصة على المدى القريب (6-12 شهراً)، وربّما إلى حيث تتوقّع JPMorgan نحو 5 000 دولار في 2026.
ب. السيناريو المحايد – “تثبيت الفائدة والدولار ثابت”
إذا اختارت الاحتياطي الأميركي النمط الحذر، وأبقت الفائدة ثابتة لفترة أطول، مع استمرار قوة الدولار، فإن الذهب قد يظلّ عالقاً ضمن نطاق تضييقي: ربما بين 3 800 – 4 100 دولار، مع ارتفاع متقطع ولكن أيضاً تعرض لموجات تصحيح. في هذا السيناريو، الذهب يظل أداة تحوط لكنها أقل جذباً كأداة مضاربة نشطة.
ج. السيناريو السلبي – “ركّاز الفائدة وتصحيح الذهب”
في هذا السيناريو، لو ارتفعت بشكل ملحوظ بيانات الوظائف أو التضخم الأميركية، وبدت إشارات المركزي الأميركي تميل نحو تشديد وليس خفض، فإن العوائد الحقيقية سترتفع، والدولار سيقوى، ويجد الذهب نفسه تحت ضغط قد يدفعه نحو مستويات أدنى: 3 700 أو حتى 3 600 دولار في فرضة ضعف الطلب. ما يشير إليه بعض المحللين أنّه “إذا كانت بيانات الـ ADP قوية” فقد يهبط الذهب نحو 3 900 دولار أو أقل.
د. ما الذي يجب مراقبته عن كثب؟
لكي نستطيع التمييز بين هذه السيناريوهات، إليك أهم المؤشرات:
- تقرير التوظيف الأميركي، منها بيانات الـ ADP وبيانات وظائف القطاع غير الزراعي، لأنها تشكّل مؤشراً مبكّراً على قوة التوظيف ونمو الأجور.
- بيانات التضخم الرئيسة: مؤشر أسعار-المستهلك، ومؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، لأنها المؤشّرة المفضّلة لـ الاحتياطي الأميركي.
- قوة الدولار الأميركية مقابل سلة العملات العالمية، وتغيراتها، لأنها تنعكس مباشرة على سعر الذهب.
- حركة الشراء من البنوك المركزية، خصوصاً في الدول الناشئة، لأن هذا الطلب إن استمر فهو عامل دعم هيكلي.
- التطورات الجيوسياسية أو المالية الكبرى (أزمات، تضخم مفاجئ، تقلبات السوق) لأنها تؤجج الطلب على الذهب كملاذ.
توصيات استراتيجية للمستثمرين والقراء
في ضوء ما سبق، أوجّه لهذه التوصيات كقائد تحرير يخاطب جمهوراً واسعاً يحتمل أن يشمل المستثمرين، والمواطنين الراغبين بالحفاظ على مدخراتهم، وقرّاء الاقتصاد المهتمين:
- اعتماد منظور طويل الأمد للذهب
إن الذهب اليوم ليس مجرد أداة تداول قصير الأجل، بل أصبح أحد أعمدة المحفظة في سياق إعادة تشكيل النظام النقدي-الاقتصادي العالمي. لذا، إذا كنت تحتفظ به بغرض الحماية من التضخم أو تقلبات العملة، فعليك الالتزام بأفق لا يقلّ عن 3-5 أعوام. - تنويع الاستثمارات وعدم التركيز على الذهب وحده
ورغم جاذبية الذهب، فإن الاعتماد الكلي عليه غير منطقي: فرضيات عدة قد تؤدي إلى تراجع مؤقت. لذا، احرص على مزيج يتضمن أيضاً أدوات ذات عائد، مثل السندات أو الأسهم الدفاعية، أو حتى المعادن الأخرى إذا اقتنعت بأنها ستتفاعل إيجابياً مع البيئة. - توقيت الدخول بوعي بالسيناريوهات
- إذا كنت تفكّر بالدخول حالياً كمضارب، انتبه إلى أن الذهب قد يكون شهد ارتداداً فَضّ إلى حدّ ما، مما يعني أن فرصة الربح السريع أقل وضوحاً من قبل.
- إن الدخول ضمن الحاضر بهدف الحماية طويل الأجل أكثر من المضاربة القصيرة، يعدّ خياراً واقعياً.
- راقب المؤشرات آنفة الذكر، وإذا أظهرت أول علامات الانزلاق نحو السيناريو الإيجابي (تراجع الفائدة، ضعف التوظيف، ضعف الدولار) فربّما يكون وقت تعزيز المراكز.
- إدارة المخاطر بحكمة
- حدد نسبة معقولة للذهب ضمن محفظتك: كثير من مستشاري الثروة يوصون بأن تبلغ حصته بين 5-15 ٪ من الأصول (قد تختلف باختلاف الأفق والمخاطر).
- ضع في اعتبارك أن الذهب ليس من الأصول السائلة بالسهولة المطلقة مثل بعض الأصول المالية؛ هناك تكاليف تخزين أو فروقات سعرية.
- استفد من الفترات التي يظهر فيها ضعف واضح لتدعيم الحصة إن كنت تؤمن بالمنظور الهيكلي.
- الاقتناع بالقصّة وليس مجرد الحركة السعرية
إن الصعود والهبوط اليومي للذهب كثير، لكن الأهم هو اقتناعك بالقصّة التي تقف وراءه: هل تؤمن بأن هناك تحولاً في الاحتياطات العالمية؟ هل ترى أن الدولار سيفقد مكانته أو أن الاقتصاد العالمي سيتعرض لصدمات؟ إن كان الجواب نعم، فالذهب يدخل كأداة استراتيجية، وإلا فربما ينتظر تحرّكاً أقوى ليعيد اختباره.
