عاجل: النفط يقفز لأعلى مستوى منذ أكتوبر الماضي..وترامب يدعو لإنقلاب في إيران!
تشهد أسعار الذهب العالمية ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة من عام 2025، متجاوزةً في بعض الفترات مستويات لم تبلغها من قبل ابدا ، في وقتٍ يظن فيه كثيرون أن هذا الارتفاع ناتج عن موجة طلب استثنائية من كبار المشترين العالميين، وعلى رأسهم الصين.
لكن عند التدقيق في البيانات الرسمية، يتضح أن هذا الاعتقاد بعيد عن الواقع.
الصين لم تعد تشتري بالوتيرة السابقة
خلال النصف الأول من عام 2025، أضافت الصين نحو 19 طناً فقط من الذهب إلى احتياطياتها الرسمية، بحسب مجلس الذهب العالمي (World Gold Council)، لترتفع الكميات الإجمالية إلى نحو 2,298.5 طن حتى نهاية يونيو.
وفي الأشهر التالية، تباطأت وتيرة الشراء أكثر:
يوليو 2025: نحو 1.86 طن
أغسطس 2025: نحو 1.86 طن
سبتمبر 2025: قرابة 1.2 طن
أكتوبر 2025: حوالي 0.93 طن فقط (30 ألف أوقية تروى)
أي أن البنك المركزي الصيني أضاف أقل من طن في أكتوبر، وهي أدنى وتيرة شراء منذ بداية 2023.
ورغم ذلك، تواصل أسعار الذهب ارتفاعها، في مفارقةٍ لافتة بين حركة السعر وسلوك أكبر مشترٍ مؤسسي في العالم.
ما وراء التباطؤ الصيني
يمكن تفسير هذا التراجع في المشتريات الصينية بعدة عوامل منطقية:
- تشبّع استراتيجي:
- بعد سلسلة من المشتريات المكثفة منذ 2022 وحتى منتصف 2024، يبدو أن الصين ترى أن احتياطياتها الحالية كافية لمواجهة أي اضطرابات مالية أو جيوسياسية محتملة.
- ترقّب سعري:
- قد تكون بكين تنتظر فرصة أسعار أكثر ملاءمة للشراء، خصوصاً مع تجاوز الذهب مستويات يُعتبر عندها مكلفاً بالنسبة لبنوك مركزية تركز على تنويع احتياطاتها.
- تعديل أولويات السياسة النقدية:
- هناك مؤشرات على أن الصين توازن بين دعم عملتها المحلية اليوان وتقليل الاعتماد على المشتريات الخارجية، ما يقلل الحاجة لتكديس المزيد من الذهب في المدى القصير.
لماذا ترتفع الأسعار إذن؟
إذا كانت الصين تبطئ شراءها، فمن الطبيعي أن نتساءل: ما الذي يدفع الأسعار للصعود إذن؟
الجواب يكمن في مزيج من العوامل النفسية والسلوكية والمالية أكثر من كونه نتيجة لطلب فعلي ملموس.
1. الرواية السائدة والمضاربات النفسية
الخطاب المتكرر في وسائل الإعلام ومنصات التداول الرقمية – “الذهب لا يخسر” و“الذهب دائماً للشراء” – أصبح عامل دفع نفسي قوي.
هذه القناعة تُشعل موجات من الشراء العاطفي والمضاربات قصيرة الأجل، حيث يدخل المستثمرون السوق خوفًا من تفويت الفرصة (FOMO)، دون أن تكون هناك حاجة حقيقية أو طلب صناعي فعلي على المعدن.
2. التحوط المبالغ به ضد المخاطر
الاضطرابات الجيوسياسية، سواء في الشرق الأوسط أو آسيا، إضافةً إلى الغموض المتعلق بالانتخابات الأميركية المقبلة، دفعت الصناديق الاستثمارية للتحوط عبر الذهب.
لكن هذا التحوط لا يعني بالضرورة شراء الذهب المادي؛ بل يتم في أغلب الأحيان عبر العقود الآجلة وصناديق المؤشرات (ETFs)، أي أن الطلب “ورقي” أكثر مما هو حقيقي، ما يجعل الأسعار عرضة للتقلبات السريعة عند أول جني أرباح.
3. السيولة الزائدة وضعف العوائد الحقيقية
رغم محاولات الفدرالي الأميركي تشديد السياسة النقدية، ما زالت العوائد الحقيقية للسندات الأميركية منخفضة مقارنة بمستويات التضخم.
في مثل هذه البيئة، يبحث المستثمرون عن بدائل تحفظ القيمة، فيتجه بعضهم إلى الذهب، ولو مؤقتًا.
لكن هذا الاتجاه مدفوع بالسيولة الفائضة وليس بالطلب الحقيقي، أي أنه غير مستدام على المدى الطويل.
4. دور العملات والدولار
الذهب يتحرك عكسيًا أمام الدولار في كثير من الفترات.
وخلال 2025، شهد الدولار بعض التراجعات المؤقتة بسبب بيانات اقتصادية ضعيفة في الربع الثاني، مما دفع الأسعار للارتفاع تقنيًا، حتى دون زيادة في الطلب الفعلي.
أي أن الصعود كان رد فعل على ضعف الدولار وليس قوة في أساسيات الذهب.
5. التحليل الفني وتأثير الخوارزميات
في العصر الرقمي الحالي، أصبحت نسبة كبيرة من تداولات الذهب تتم عبر أنظمة آلية (Algorithmic Trading)، تتفاعل مع اختراق مستويات المقاومة دون تحليل أساسي عميق.
عندما تتجاوز الأسعار مستوى نفسي مثل 3,500 أو 4,700 دولار، تُفعَّل أوامر شراء أوتوماتيكية ضخمة من الصناديق والمؤسسات، ما يخلق “قفزات سعرية” سريعة تبدو وكأنها مدفوعة بطلب فعلي، لكنها في الواقع نتيجة لحركة تقنية مؤقتة.
التاريخ يعيد نفسه: الذهب لا يصعد إلى الأبد
من المهم التذكير بأن الذهب، رغم مكانته كملاذ آمن، ليس في مسار صعودي دائم، بل يتحرك ضمن دورات زمنية واضحة تتناوب فيها موجات الارتفاع والانخفاض تبعاً لعوامل اقتصادية كلية، وسياسات نقدية، وسلوك المستثمرين العالميين.
فعندما بلغ الذهب ذروته التاريخية الأولى في سبتمبر 2011 عند حدود 1,920 دولاراً للأونصة، كان ذلك نتيجة الهلع المالي العالمي عقب الأزمة المالية في 2008، والتيسير الكمي غير المسبوق الذي أطلقته البنوك المركزية الكبرى.
لكن ما إن بدأ الفدرالي الأميركي يرفع أسعار الفائدة تدريجياً ويعيد الثقة إلى الدولار، حتى فقد الذهب بريقه الاستثماري، ليتراجع بنحو 40٪ خلال السنوات التالية ويصل إلى ما دون 1,200 دولار في 2015، أي أن من اشترى الذهب في ذروة 2011 احتاج أكثر من 13 عاماً ليستعيد نفس المستوى السعري في 2024 — وهي فترة زمنية طويلة جداً بمقاييس العائد الاستثماري.
هذا السلوك ليس استثناءً؛ فالذهب تاريخياً يمر بمراحل:
مرحلة الصعود الحادّ (FOMO rally):
يندفع فيها المستثمرون نحو الذهب بدافع الخوف أو التوتر الجيوسياسي، مما يخلق فقاعة قصيرة الأجل في الأسعار.
مرحلة التشبع والتصحيح:
بعد أن تهدأ المخاوف ويعود الاستقرار النقدي، تبدأ الأسعار بالتصحيح تدريجياً مع خروج المستثمرين الباحثين عن عوائد أعلى.
مرحلة الركود السعري الطويل:
تستقر الأسعار ضمن نطاق ضيق لسنوات، قبل أن تعود لتتحرك مع موجة جديدة من الأزمات أو التيسير النقدي.
ولذلك، فإن الارتفاع المستمر في الذهب منذ 2023 وحتى 2025 لا يعني بالضرورة أننا أمام موجة صعودية لا تنتهي؛ بل على العكس، التجربة التاريخية تُظهر أن كل قمة في أسعار الذهب كانت مقدمةً
لفترة هدوء طويلة أو تراجع تصحيحي مؤلم.
الفرق بين المستثمر الناجح والمضارب العاطفي هو أن الأول يقرأ الزمن والدورة الاقتصادية، بينما الثاني يؤمن بأن الذهب “دائم الصعود” — وهي قناعة لا تدعمها لا البيانات التاريخية ولا المنطق الاقتصادي.
لذلك، فإن قراءة الذهب يجب ألا تكون على أساس عاطفي أو تقليدي (“الذهب لا يخسر”)، بل من خلال فهم أن هذا المعدن، مثل أي أصل مالي آخر، يخضع لقوانين العرض والطلب، والفائدة، والسيولة، والتضخم، والدورات الاقتصادية.
وكما احتاج الذهب ثلاثة عشر عاماً ليعود إلى ذروة 2011، فقد يحتاج في المرة المقبلة فترة مماثلة أو أطول، إن لم تتغير البنية النقدية والمالية العالمية جذرياً.
خلاصة القول
ارتفاع أسعار الذهب الحالي لا يعكس طلباً فعلياً من كبار المشترين، بل هو انعكاس لتضخم في التوقعات والسلوك الاستثماري القصير المدى.
أما الصين، التي تعد المشتري الأكبر عالمياً، فقد أرسلت رسالة واضحة عبر تباطؤ مشترياتها:
أن الوقت ليس مناسباً لزيادة التكديس، وأن الأسعار الحالية ربما تجاوزت نطاقها المنطقي.
وبذلك يمكن القول إن الذهب، وإن ظل ملاذاً آمناً في الأزمات، إلا أن صعوده الأخير لا يستند إلى أساس متين من الطلب، بل إلى تصورات نفسية وجماعية قابلة للتبدّد في أي لحظة.
