عاجل: النفط يقفز لأعلى مستوى منذ أكتوبر الماضي..وترامب يدعو لإنقلاب في إيران!
في لحظات التحوّل الاقتصادي الكبرى، هناك مؤشرات لا تُكذّب. الذهب، منذ فجر التاريخ، ظلّ ذلك المِقياس الصامت الذي يفضح اضطرابات الأسواق ويترجم مخاوف المستثمرين من المجهول. واليوم، بينما تتجه الأنظار إلى ديسمبر/كانون الأول المقبل، ومع تصاعد الرهانات على أن مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي سيُقدم على خفضٍ جديدٍ في أسعار الفائدة، يعود الذهب إلى صدارة المشهد العالمي، لا كسلعة فاخرة أو أداة ادخار فحسب، بل كمعيار استراتيجي لمستقبل الاقتصاد العالمي.
مشهد الذهب الراهن: أرقام تنطق بلغة القلق
في مطلع هذا الأسبوع، واصل الذهب مكاسبه ليصل إلى أعلى مستوى له في نحو ثلاثة أسابيع، مسجلاً 4136 دولارًا للأوقية في المعاملات الفورية، بينما بلغت العقود الآجلة لشهر ديسمبر نحو 4143 دولارًا للأوقية. هذه الأرقام ليست مجرد نتيجة لحركة مضاربات أو تغير مؤقت في شهية المخاطرة، بل تعكس موجة جديدة من التحول في توقعات الأسواق تجاه السياسة النقدية الأميركية واتجاه الاقتصاد العالمي ككل.
فبيانات الوظائف الأخيرة كشفت أن الاقتصاد الأميركي فقد وظائف في أكتوبر، مع تراجع التوظيف في قطاعات الحكومة والتجزئة، بينما أظهرت استطلاعات الثقة أن المستهلك الأميركي بات أكثر تشاؤمًا منذ أكثر من ثلاث سنوات. هذه المؤشرات تضع البنك المركزي الأميركي أمام مأزق: هل يواصل التشديد النقدي لحصار التضخم أم يبدأ دورة التيسير لتجنّب ركودٍ عميق؟
الفدرالي بين المطرقة والسندان
قرار خفض الفائدة لم يعد مجرد مسألة فنية في جداول السياسات النقدية، بل أصبح قضية سياسية واقتصادية حساسة تتعلق بمستقبل الاستقرار المالي الأميركي والعالمي. فالفدرالي الأميركي، الذي رفع أسعار الفائدة بوتيرة غير مسبوقة خلال عامي 2023 و2024 لكبح جماح التضخم، يجد نفسه اليوم أمام واقعٍ جديد: التضخم يتراجع، لكن البطالة ترتفع، وثقة المستهلك تهتزّ.
وعليه، يتزايد الضغط على جيروم باول وزملائه في مجلس الاحتياطي لتخفيف السياسة النقدية قبل أن يتحول التباطؤ الاقتصادي إلى أزمة. وحسب أداة "فيد ووتش" التابعة لمجموعة "سي إم إي"، فإن الأسواق تسعّر احتمالاً بنسبة تفوق 64% لخفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس الشهر المقبل، بينما يرى بعض الأعضاء مثل ستيفن ميران أن خفضًا بمقدار 50 نقطة أساس قد يكون ضروريًا لدعم النمو وتجنّب الهبوط الحاد.
الذهب... المستفيد الأكبر من هشاشة النظام المالي
الذهب، بطبيعته، عدو للفائدة المرتفعة. فعندما ترتفع أسعار الفائدة، تصبح الأصول التي تدر عائدًا – مثل السندات والدولار – أكثر جاذبية، مما يقلل الطلب على الذهب. لكن حين تبدأ دورة التيسير، يتغير المشهد كليًا: العوائد تتآكل، الثقة تهتز، والسيولة تبحث عن ملاذ آمن. هنا يتوهج الذهب.
ليس من المبالغة القول إن الذهب اليوم يعكس خوفًا من المجهول أكثر مما يعكس طمعًا في الربح. فالمستثمرون يدركون أن النظام المالي العالمي بات هشًا، يعتمد على ديون متراكمة وسياسات نقدية مسكّنة، لا حلولًا هيكلية. ومع كل خفضٍ جديد للفائدة، يشعر المستثمر الذكي أن الزمن يشتري وقتًا لا علاجًا.
قراءة في عمق المشهد: هل دخلنا عصر الذهب الجديد؟
لفهم صعود الذهب اليوم، يجب أن نقرأ ما بين السطور. فالعوامل التي تدفع المعدن النفيس إلى الارتفاع لا تقتصر على قرارات الفدرالي أو مؤشرات التضخم، بل تمتد إلى النظام المالي الدولي نفسه:
-
تراجع هيمنة الدولار: العقود الأخيرة شهدت بداية تحدٍ حقيقي لهيمنة العملة الأميركية. التوجهات الآسيوية نحو تسوية التبادلات التجارية بالعملات المحلية، ومحاولات روسيا والصين خلق نظام مالي موازٍ، كل ذلك يضعف الثقة بالدولار ويدعم الذهب كمخزنٍ للقيمة.
-
الاضطرابات الجيوسياسية: من حرب أوكرانيا إلى النزاع في الشرق الأوسط، ومن التوترات الصينية–الأميركية إلى الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، كلها أحداث تُغذي طلبًا متزايدًا على الأصول الآمنة.
-
الديون العالمية: تجاوز الدين العالمي في منتصف 2025 حاجز 310 تريليونات دولار. أي تراجع في الفائدة يعني مزيدًا من الاقتراض، ومزيدًا من الاعتماد على النقود الرخيصة، ما يجعل الذهب وسيلة للتحوّط ضد انفجار محتمل في هذه الفقاعة.
الذهب في عيون المستثمرين: من أصل استثماري إلى استراتيجية بقاء
في أسواق اليوم، لم يعد الذهب مجرد أداة تحوط. بل أصبح جزءًا من استراتيجية بقاء مالي. المستثمرون الكبار وصناديق الثروة السيادية يعيدون تقييم محافظهم، لا وفقًا للعائد السنوي، بل بناءً على القدرة على الصمود أمام صدمات الأسواق. والذهب، الذي لا يُفلس ولا يُطبع، يقدم لهم هذا الضمان النفسي والاقتصادي.
في تقرير صدر مؤخرًا عن كبرى المؤسسات الاستثمارية، أُشير إلى أن حصة الذهب في المحافظ الاستثمارية ارتفعت إلى أعلى مستوى منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008. هذا التحول لا يأتي مصادفة، بل يعكس تحوّلًا جذريًا في فلسفة إدارة الثروة.
الاقتصاد الأميركي تحت المجهر: أرقام مقلقة وقرارات مؤجلة
الاقتصاد الأميركي يعيش لحظة مفصلية. فبين تراجع التوظيف، وتآكل القوة الشرائية، وتباطؤ الإنتاج الصناعي، تبدو المؤشرات الاقتصادية أكثر هشاشة مما تبدو في الخطابات الرسمية. بل إن بيانات التضخم، رغم تراجعها النسبي، تكشف أن الأسعار ما زالت أعلى من المستويات المستهدفة، وأن الضغوط على الأسر الأميركية تتزايد.
الاحتياطي الفدرالي، رغم محاولاته الحذرة، يواجه معضلة غير مسبوقة: فهو لا يستطيع رفع الفائدة من جديد دون التسبب بركودٍ مؤلم، ولا يمكنه خفضها بشجاعة دون أن يبعث برسالة ضعفٍ للأسواق. في هذه المعادلة الصعبة، يبقى الذهب هو الرابح الصامت.
البعد السياسي لقرار الفائدة
قرارات السياسة النقدية في الولايات المتحدة لم تعد محصورة في نطاق الاقتصاد. فكل خفضٍ للفائدة اليوم يحمل في طيّاته حسابات سياسية تتعلق بالانتخابات المقبلة، وبمحاولات الإدارة الأميركية الحفاظ على زخم الأسواق قبل دخول العام الانتخابي الحاسم. لكن الأسواق لا تُقاد بالشعارات، بل بالثقة، وهذه الثقة اليوم تهتز.
التوترات السياسية الداخلية، وتعطّل مؤسسات الحكومة بسبب الإغلاق الحكومي الأطول في تاريخ البلاد، كلها عوامل تجعل الأسواق تتعامل مع السياسة النقدية كإجراء طوارئ، لا كخطة نمو مستدام.
العالم يعيد تعريف "الأمان"
في هذا السياق المتقلب، يعيد المستثمرون والمصارف المركزية حول العالم تعريف مفهوم "الأمان". فالدول الناشئة، التي لطالما خزّنت احتياطياتها بالدولار والسندات الأميركية، بدأت تنوّع أصولها بشكل واضح. الصين، والهند، وتركيا، وحتى بعض دول الخليج، زادت من مشترياتها من الذهب بشكل غير مسبوق.
هذه الموجة من الطلب الرسمي على الذهب تعني أن هناك تحوّلًا استراتيجيًا في بنية النظام النقدي العالمي. فبدلًا من الثقة العمياء في الدولار، نرى اليوم بحثًا عن أصول ملموسة لا تتآكل بقوة الطباعة ولا تخضع لتقلبات السياسة.
الذهب كمرآة لعصرٍ مضطرب
حين نتأمل في تاريخ الأزمات المالية، نجد أن الذهب كان دائمًا الشاهد واللاجئ الأخير. من انهيار وول ستريت عام 1929 إلى أزمة 2008، ومن صدمة النفط في السبعينيات إلى حرب العملات اليوم، ظل الذهب ذلك العنصر الثابت وسط عالمٍ يتغير.
في خريف 2025، يبدو المشهد الاقتصادي العالمي وكأنه يعيش مرحلة انتقالية كبرى. السياسات النقدية تفقد فاعليتها، والدولار يتعرض لتحديات هيكلية، والاقتصاد الأميركي يتنفس على أجهزة دعم اصطناعية. وسط هذا كله، يلمع الذهب مجددًا، لا كترفٍ استثماري، بل كحقيقة صلبة في عالمٍ يزداد سيولة وهشاشة.
من هنا، يمكن القول إن خفض الفائدة المنتظر في ديسمبر لن يكون مجرد خطوة روتينية في جداول البنك المركزي، بل إعلان مرحلة جديدة في علاقة العالم بالذهب والدولار والفائدة. مرحلة عنوانها: الذهب يعود ليحكم.
