عاجل: النفط يقفز لأعلى مستوى منذ أكتوبر الماضي..وترامب يدعو لإنقلاب في إيران!
بينما نلملم أوراق روزنامة عام 2025، يقف العالم المالي مشدوهاً أمام ظاهرة لم يكن أشد المتفائلين بـ "المعدن الأصفر" يجرؤ على رسمها في مخيلته قبل اثني عشر شهراً فقط. نحن لا نتحدث اليوم عن تحركات روتينية، بل نقف أمام ذهب ينهي عامه وهو يتجول بثقة في منطقة الـ 4,200 دولار للأونصة، بعد أن زرع رايته عند قمة تاريخية لامست 4,381 دولاراً في أكتوبر الماضي.
هذا الصعود المذهل، الذي قفز بالأسعار بنسبة تتراوح بين 50% و60% منذ مطلع العام مثّل انعكاس مباشر لنبض الاقتصاد العالمي القلق، ولنظام مالي يعيد تشكيل نفسه كما تحدثنا مراراً في دراساتنا وتحليلاتنا وأبحاثنا للسوق. وبينما نستعد لطي صفحة هذا العام، يبرز السؤال الأهم الذي يؤرق كل مستثمر، من مدير المحفظة المليارية في نيويورك إلى مقتني السبائك في أسواق الذهب: هل ما نراه هو الفصل الأخير من "فقاعة" مؤقتة.. أم أننا نشهد ولادة "تسعير جديد" للذهب سيجعل من أرقام 2026 ضرباً من الخيال؟.
تشريح المشهد: ما الذي جعل 2025 عاماً استثنائياً؟
لفهم ما هو قادم، علينا أولاً تشريح ما حدث. الذهب في أواخر 2025 يختلف جذرياً عن ذهب السنوات الماضية. الفارق الجوهري ليس في السعر فحسب، بل في "هيكل الطلب".
في السابق، كان ارتفاع الأسعار يقابله عزوف عن الشراء (خاصة في المجوهرات). لكن تقرير "مجلس الذهب العالمي" للربع الثالث من 2025 كشف عن حقيقة مذهلة.. وهي أن الطلب الاستثماري أصبح القائد الجديد للسوق.الرسم البياني أدناه من تقرير "Gold Demand Trends Q3 2025" الصادر عن مجلس الذهب العالمي، يُظهر إجمالي الطلب الفصلي على الذهب منذ 2010 حتى الربع الثالث 2025 موزعاً حسب القطاعات. يوضح الرسم الزيادة الملحوظة في الطلب الاستثماري (ETFs والسبائك والعملات) ، مما يجعل الاستثمار المحرك الرئيسي لنمو الطلب.

ولأول مرة في التاريخ الحديث، يمثل الاستثمار أكثر من 55% من صافي الطلب العالمي. بذلك نحن أمام تحول في العقلية، فالذهب لم يعد مجرد "زينة" بل تحول إلى " أداة تمركز مالي" لا غنى عنها. والأرقام تتحدث بوضوح:
1.عودة "الأموال الذكية" (ETFs): بعد سنوات من التخارج، عادت صناديق الذهب المتداولة لتسجل صافي شراء بلغ 222 طناً في الربع الثالث، وهي أقوى وتيرة شراء منذ عام الجائحة 2020. في الولايات المتحدة وحدها، ضخت الصناديق 16 مليار دولار في ثلاثة أشهر فقط لشراء الذهب المادي.
2. حيتان البنوك المركزية: هذه المؤسسات لا تضارب، بل تؤمّن مستقبل أممها. اشترت البنوك المركزية صافي 220 طناً في الربع الثالث، مواصلةً ماراثون الشراء للعام الثالث على التوالي. والرسالة هنا ضمنية وخطيرة: "الثقة في العملات الورقية والسندات الحكومية تتآكل، والذهب هو البديل الاستراتيجي".
الفيدرالي ولعبة "الفائدة": الوقود المحرك لـ 2026
المحرك الرئيسي الذي سيدير دفة الذهب في العام المقبل يكمن في أروقة الاحتياطي الفيدرالي. التحول الدراماتيكي حدث عندما بدأ الفيدرالي دورة التيسير النقدي، خافضاً الفائدة إلى نطاق 3.75–4.00%.
لكن القصة لم تنتهِ. أسواق العقود الآجلة (Fed Funds Futures) تسعّر الآن احتمالية شبه مؤكدة لخفض جديد في ديسمبر، مع توقعات بأن تهبط الفائدة إلى قرب 3% بحلول نهاية 2026.
ماذا يعني هذا بلغة الذهب؟
ببساطة، الذهب عدو للفائدة المرتفعة لأنه لا يدر عائداً دورياً. ولكن، عندما تنخفض عوائد السندات وتتراجع تكلفة الفرصة البديلة، يصبح الذهب "الملك المتوج". نحن نتجه نحو بيئة تنخفض فيها "الفائدة الحقيقية" (الفائدة الاسمية مطروحاً منها التضخم)، وهي البيئة التاريخية الحاضنة لأكبر موجات صعود الذهب (Bull Runs).
وعلى الرغم من تراجع حدة التضخم مقارنة بعام 2023، إلا أن الصورة في أمريكا –المحرك الأول للأسعار– تشير إلى "تضخم لزج" (Sticky Inflation). مؤشر أسعار المستهلكين لا يزال يحوم حول 3%، ومؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) مستقر عند 2.9%.
هذه الأرقام تضع الفيدرالي في مأزق بكل تأكيد ، فهو مضطر لخفض الفائدة لإنقاذ سوق العمل الذي بدأ يظهر تصدعات (بطالة ارتفعت إلى 4.4% وتباطؤ في التوظيف)، ولكنه بذلك يخاطر بإشعال التضخم مجدداً.
هذا السيناريو "الرمادي" – نمو متباطأ وتضخم فوق الهدف – هو البيئة المثالية التي يتغذى عليها الذهب، حيث يهرب المستثمرون من تآكل قيمة الكاش.
وأما عن الآن فنحن في ديسمبر، شهر الحسم وإعادة التموضع، وهو شهر يشتهر في أسواق المال بـ "إعادة موازنة المحافظ". الصناديق الكبرى التي حققت أرباحاً خيالية من الذهب (50-60%) قد تميل لجني بعض الأرباح، مما قد يخلق تقلبات سعرية وتصحيحات مؤقتة.
لكن السؤال الذي يطرحه المحللون الفنيون والمستثمرون ومتداولو الذهب جنباً إلى جنب: أين هو القاع؟
التوقعات تشير إلى أن أي هبوط نحو مستويات 4,000 دولار سيقابل بـ "حائط شراء" قوي جداً جداً من قبل البنوك المركزية والمؤسسات التي تنتظر أي تراجع لزيادة مراكزها، مما يعني أن الـ 4,000 دولار قد أصبحت "الأرضية الجديدة" بدلاً من أن تكون السقف.
وإذا انتقلنا من التحليل الآني إلى استشراف المستقبل، نجد إجماعاً مؤسساتياً نادراً على استمرار الصعود، وإن تباينت الأرقام:
·مزاج "لندن" (LBMA): استطلاع المشاركين في مؤتمر سوق السبائك بلندن يتوقع أن يلامس الذهب 4,980 دولاراً خلال الأشهر القادمة.
·البنوك الاستثمارية: مؤسسات مثل "دويتشه بنك" رفعت سقف توقعاتها لمتوسط عام 2026 إلى 4,450 دولاراً، مع سيناريوهات متفائلة تلامس الـ 5,000 دولار.
ومن منظور شخصي مبني على رؤية أكاديمية، إذا استمر الفيدرالي في "التيسير المنضبط" وبقي التضخم حول 3%، فإن الذهب سيكمل مساره الصاعد بهدوء. أما إذا أخطأ الفيدرالي وخفض الفائدة بسرعة مفرطة (تيسير مفرط)، فقد نشهد قفزات جنونية (Sugar Rush) قد تأخذ السعر لمستويات غير مسبوقة يعقبها تصحيح عنيف.
الخلاصة للمستثمرين: الذهب من "الزينة" إلى "الاستراتيجية"
الرسالة التي يجب أن توضع في الحسبان لكل قارئ ومستثمر وخصوصاً في المنطقة العربية تتجاوز الشاشة اللحظية للأسعار.
ما حدث في 2025 هو "إعادة تسعير" (Re-pricing) لمكانة الذهب في النظام المالي العالمي. الذهب لم يعد مجرد وسيلة لحفظ قيمة المهر أو الزينة فقد تغير هذا لمفهوم تماماً، بل أصبح أصلاً استثمارياً استراتيجياً يحميك من تآكل العملات ومن تقلبات السياسات النقدية.
نصيحة لمطلع 2026:
لا تلاحق الشموع الخضراء في لحظات النشوة. التقلبات قادمة لا محالة، وقد تكون عنيفة. لكن تذكر أن "قاع" هذه الدورة أعلى بكثير مما اعتدنا عليه. مستوى 4,000 - 4150 دولار قد تكون هي "المتوسط الطبيعي" المقبل.
راقب "الأفعال" لا "الأقوال": طالما استمرت البنوك المركزية في الشراء، وطالما بقيت الفائدة في مسار هابط، فإن بريق الذهب لم يصل إلى منتهاه بعد.
هذا المقال يقدم رؤية تحليلية اقتصادية معمقة ولا يعتبر توصية مالية مباشرة بالبيع أو الشراء. قرار الاستثمار يعود لتقديرك الشخصي.
