قراءة في قانون غودهارت.. عندما يصبح المؤشر هدفًا، يفقد صلاحيته كمؤشر.

تم النشر 22/12/2025, 15:27

في سبعينيات القرن الماضي، لم يكن الاقتصادي البريطاني تشارلز غودهارت يسعى لصياغة “قانون” بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما كان يعبّر عن ملاحظة مهنية نشأت من قلب ممارسة السياسة النقدية.

في ذلك الوقت، كانت البنوك المركزية—خصوصًا بنك إنجلترا—تعتمد على مجاميع نقدية محددة باعتبارها مؤشرات قادرة على عكس الحالة الاقتصادية وضبط التضخم. لكن ما لاحظه غودهارت كان مقلقًا: كلما تم الإعلان عن مؤشر نقدي باعتباره هدفًا رسميًا، كلما فقد هذا المؤشر علاقته بالواقع الذي صُمم لقياسه.

من هنا جاءت العبارة التي ستتحول لاحقًا إلى أحد أكثر القوانين تداولًا في الاقتصاد التطبيقي:

عندما يصبح المؤشر هدفًا، يفقد صلاحيته كمؤشر.

ما كان يبدو آنذاك ملاحظة تقنية داخل السياسة النقدية، اتضح مع مرور الوقت أنه توصيف عميق لطريقة فشل الأنظمة حين تُسيء استخدام الأرقام. فالمسألة لم تكن في خطأ المؤشر نفسه، بل في ما يحدث له عندما يُحمَّل بما لا يحتمل: التقييم، والمحاسبة، والمكافأة، والعقاب، والشرعية السياسية.

في تلك اللحظة، يتغير السؤال جذريًا. لا يعود السؤال: ماذا يخبرنا هذا الرقم عن الواقع؟

بل يصبح: كيف نُبقي هذا الرقم في الحدود المطلوبة؟

وهنا يبدأ الانفصال بين الشكل والمضمون.

الاقتصاد، مهما بدا رقميًا، ليس علمًا محايدًا للأرقام، بل علمًا لسلوك البشر داخل أنظمة حوافز. وعندما تُربط سمعة الحكومات، أو بقاء الإدارات، أو رضا الرأي العام بمؤشر بعينه—سواء كان تضخمًا أو نموًا أو عجزًا أو بطالة—فإن السلوك يتكيف سريعًا. ليس بالضرورة عبر كسر القواعد، بل غالبًا عبر الالتزام الحرفي بها مع إفراغها من معناها.

تُؤجَّل نفقات بدل إلغائها، تُرحَّل أعباء بدل معالجتها، تُخلق حلول قصيرة الأجل تُحسِّن الرقم وتضعف الأساس. والنتيجة أن التقارير تصبح أفضل، بينما الاقتصاد الحقيقي يصبح أكثر هشاشة.

هذا هو جوهر قانون غودهارت: ليس فشل السياسات، بل نجاحها الشكلي هو المشكلة.

الأخطر أن هذا النجاح الشكلي يمنح صناع القرار وهم السيطرة. فالمؤشر الواضح والمحدد يمنح شعورًا بالتحكم في واقع معقد، بينما الحقيقة أن الواقع لا يختزل نفسه طوعًا في رقم واحد. وكلما ازداد الاعتماد على هذا الرقم، ازدادت حوافز التلاعب به، وتراجعت قدرته على الإشارة الصادقة.

قانون غودهارت يفسر لماذا تبدو كثير من الاقتصادات “مستقرة” حتى لحظة الارتطام. الأرقام كانت تتحسن، لكنها كانت تتحسن لأنها صارت هدفًا، لا لأنها كانت مرآة. وما إن تتغير الظروف أو تُرفع الحماية، حتى يتكشف أن المؤشرات كانت تتقدم وحدها، بينما الواقع يقف في مكانه أو يتراجع.

ليس في هذا دعوة لرفض القياس أو الارتياب المرضي في الإحصاءات. القياس ضرورة لا غنى عنها. لكن الخطر يكمن في تحويل المؤشرات من أدوات للفهم إلى أدوات للشرعنة، ومن وسائل تشخيص إلى غايات سياسية أو إدارية. فالمؤشر لا يجب أن يُكافأ، بل يجب أن يُستَجوب.

الخلاصة التي أراد غودهارت—ربما دون أن يتوقع هذا الامتداد—لفت الانتباه إليها، بسيطة وقاسية في آن:

الاقتصاد لا يُدار بالأرقام، بل يُفضَح بها إذا أسيء استخدامها.

وحين نطلب من الأرقام أن تجمّل الواقع بدل أن تكشفه، فإنها تفعل ذلك… ولكن بثمن يدفعه الجميع لاحقًا.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.