عاجل: النفط يقفز لأعلى مستوى منذ أكتوبر الماضي..وترامب يدعو لإنقلاب في إيران!
في سبعينيات القرن الماضي، لم يكن الاقتصادي البريطاني تشارلز غودهارت يسعى لصياغة “قانون” بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما كان يعبّر عن ملاحظة مهنية نشأت من قلب ممارسة السياسة النقدية.
في ذلك الوقت، كانت البنوك المركزية—خصوصًا بنك إنجلترا—تعتمد على مجاميع نقدية محددة باعتبارها مؤشرات قادرة على عكس الحالة الاقتصادية وضبط التضخم. لكن ما لاحظه غودهارت كان مقلقًا: كلما تم الإعلان عن مؤشر نقدي باعتباره هدفًا رسميًا، كلما فقد هذا المؤشر علاقته بالواقع الذي صُمم لقياسه.
من هنا جاءت العبارة التي ستتحول لاحقًا إلى أحد أكثر القوانين تداولًا في الاقتصاد التطبيقي:
عندما يصبح المؤشر هدفًا، يفقد صلاحيته كمؤشر.
ما كان يبدو آنذاك ملاحظة تقنية داخل السياسة النقدية، اتضح مع مرور الوقت أنه توصيف عميق لطريقة فشل الأنظمة حين تُسيء استخدام الأرقام. فالمسألة لم تكن في خطأ المؤشر نفسه، بل في ما يحدث له عندما يُحمَّل بما لا يحتمل: التقييم، والمحاسبة، والمكافأة، والعقاب، والشرعية السياسية.
في تلك اللحظة، يتغير السؤال جذريًا. لا يعود السؤال: ماذا يخبرنا هذا الرقم عن الواقع؟
بل يصبح: كيف نُبقي هذا الرقم في الحدود المطلوبة؟
وهنا يبدأ الانفصال بين الشكل والمضمون.
الاقتصاد، مهما بدا رقميًا، ليس علمًا محايدًا للأرقام، بل علمًا لسلوك البشر داخل أنظمة حوافز. وعندما تُربط سمعة الحكومات، أو بقاء الإدارات، أو رضا الرأي العام بمؤشر بعينه—سواء كان تضخمًا أو نموًا أو عجزًا أو بطالة—فإن السلوك يتكيف سريعًا. ليس بالضرورة عبر كسر القواعد، بل غالبًا عبر الالتزام الحرفي بها مع إفراغها من معناها.
تُؤجَّل نفقات بدل إلغائها، تُرحَّل أعباء بدل معالجتها، تُخلق حلول قصيرة الأجل تُحسِّن الرقم وتضعف الأساس. والنتيجة أن التقارير تصبح أفضل، بينما الاقتصاد الحقيقي يصبح أكثر هشاشة.
هذا هو جوهر قانون غودهارت: ليس فشل السياسات، بل نجاحها الشكلي هو المشكلة.
الأخطر أن هذا النجاح الشكلي يمنح صناع القرار وهم السيطرة. فالمؤشر الواضح والمحدد يمنح شعورًا بالتحكم في واقع معقد، بينما الحقيقة أن الواقع لا يختزل نفسه طوعًا في رقم واحد. وكلما ازداد الاعتماد على هذا الرقم، ازدادت حوافز التلاعب به، وتراجعت قدرته على الإشارة الصادقة.
قانون غودهارت يفسر لماذا تبدو كثير من الاقتصادات “مستقرة” حتى لحظة الارتطام. الأرقام كانت تتحسن، لكنها كانت تتحسن لأنها صارت هدفًا، لا لأنها كانت مرآة. وما إن تتغير الظروف أو تُرفع الحماية، حتى يتكشف أن المؤشرات كانت تتقدم وحدها، بينما الواقع يقف في مكانه أو يتراجع.
ليس في هذا دعوة لرفض القياس أو الارتياب المرضي في الإحصاءات. القياس ضرورة لا غنى عنها. لكن الخطر يكمن في تحويل المؤشرات من أدوات للفهم إلى أدوات للشرعنة، ومن وسائل تشخيص إلى غايات سياسية أو إدارية. فالمؤشر لا يجب أن يُكافأ، بل يجب أن يُستَجوب.
الخلاصة التي أراد غودهارت—ربما دون أن يتوقع هذا الامتداد—لفت الانتباه إليها، بسيطة وقاسية في آن:
الاقتصاد لا يُدار بالأرقام، بل يُفضَح بها إذا أسيء استخدامها.
وحين نطلب من الأرقام أن تجمّل الواقع بدل أن تكشفه، فإنها تفعل ذلك… ولكن بثمن يدفعه الجميع لاحقًا.
