عاجل: ترامب يحذر من كارثة
ستواجه أوبك أصعب اختبار له في أسواق النفط العالمية منذ سنوات، ويأتي الضغط من اتجاه غير متوقع. فالتحدي لا ينبع من تحالف منتجين آخر أو من حرب أسعار متجددة، بل من المصافي الأميركية، المدعومة بالسلطة السياسية على النفط الفنزويلي، والتي بدأت تعيد تشكيل مكانة النفوذ في أسواق الطاقة. قارنة بالاعتماد على خريطة الأمس.
مع عودة دونالد ترامب بقوة إلى البيت الأبيض، تتدخل واشنطن في سياسات الطاقة بطرق تتجاوز الإنتاج المحلي. وقد أصبح فنزويلا محور الاهتمام. فبعد سنوات من العقوبات، والتراخيص المحدودة، وتدفقات النفط المقيدة، تحولت القضية الأساسية من “كمية الإنتاج” إلى “من يقرر من يحصل على الوصول إلى النفط”.
ويحمل هذا التحول وزنًا أكبر مما يدركه كثير من المشاركين في السوق. فقد كانت أسواق النفط تقليديًا تدور حول المنتجين الذين يحددون الكميات. أما الآن، فأصبحت الحكومات تحدد النتائج عبر منح التصاريح والتراخيص.
تدرك المصافي الأميركية هذا التحول جيدًا. فمصافي ساحل الخليج لا تزال من بين القليل في العالم القادرة على معالجة النفط الفنزويلي الثقيل والحامض بكفاءة. كما أن سنوات العقوبات أجبرت هذه المصافي على استبدال البراميل المألوفة ببدائل أصعب في الحصول عليها وأكثر تكلفة في المعالجة. ومع العقوبات المفروضة على إيران وروسيا، تزداد ضغوط السوق، ويضيق نطاق المواد الخام المناسبة، وتشتد المنافسة، ويضعف الهامش الربحي.
ويحمل توسيع الوصول إلى النفط الفنزويلي أهمية كبيرة. إذ تمنح التراخيص الموسعة والموافقات التشغيلية المصافي ميزة هيكلية تتجاوز مجرد الحصول على براميل إضافية، بما في ذلك انخفاض تكاليف المدخلات، واستقرار الإمدادات، وتفوق تنافسي يصعب على المنافسين تقليده.
وعلى نطاق أوسع، تمتد هذه التأثيرات إلى السوق بأكمله. فلطالما ارتكزت قوة تحديد الأسعار لعقود على تعاون المنتجين، عبر قرارات الإنتاج المنسقة، وأنظمة الحصص، والانضباط الاستراتيجي. ولا يزال هذا النظام مهمًا، لكنه يفقد تأثيره كلما أصبح الوصول إلى البراميل محكومًا بالسلطة السياسية وليس بسياسات المنتجين.
ويقع النفط الفنزويلي في قلب هذا التحول. فالدولة تمتلك أكبر احتياطيات مثبتة من النفط في العالم، لكن الإنتاج يظل محدودًا بسبب العقوبات، وبنية تحتية متقادمة، وعزلة دبلوماسية طويلة. وأي تغيير في السياسة الأميركية سيحول تلك البراميل من مورد محدود إلى سلعة استراتيجية بين عشية وضحاها. وستكتسب الشركات المصرح لها استخراج هذا النفط أهمية جيوسياسية تتجاوز الميزة التجارية.
وتدرك شركات النفط الصينية هذا الواقع، ما يفسر بحثها المتزايد عن إرشادات من بكين. إذ أصبح النفط الفنزويلي جزءًا من صراع سياسي أكثر من كونه مجرد صفقة تجارية تقليدية، حيث يتبع تدفق الخام خطوط التحالفات السياسية إلى جانب الأسعار.
ويواجه أوبك الآن موقفًا بالغ الإحراج. فالمجموعة لا تزال قادرة على تعديل أهداف الإنتاج والتأثير على معنويات السوق، لكن سياسة العقوبات تقع خارج نطاق سلطتها، وقرارات الترخيص في واشنطن تقع خارج صلاحياتها. وتمكّن الموافقات التنظيمية المصافي من توطيد النفوذ بغض النظر عن استراتيجية الكارتل.
ويعيد هذا التحول تشكيل مفهوم الهيمنة في أسواق النفط. لم يعد النظام يدور حول مركز ثقل واحد، بل ظهر قوة منافسة تعتمد على السلطة السياسية للتحكم في الوصول، وليس على الانضباط الإنتاجي.
وقد عادت سياسات القوة في الطاقة بشكل حديث. فالعقوبات وحروب الأسعار تُستبدل بالتراخيص، والاستثناءات، والضغط الدبلوماسي. وانتقل ساحة الصراع الحقيقية من حصص الإنتاج إلى مكاتب التنظيم في واشنطن.
ويستلزم هذا التحول طريقة جديدة لفهم أسواق النفط. فبينما يظل التحليل التقليدي مفيدًا في تقييم الطاقة الاحتياطية، ونمو الطلب، وتماسك الكارتل، إلا أنه لم يعد كافيًا لفهم الصورة كاملة. إذ أصبح البوابة السياسية بجانب الإنتاج عنصرًا محوريًا في تحديد الأسعار.
وسيكون توسع التراخيص واستئناف تدفقات النفط الفنزويلي على نطاق واسع نقطة تحول حاسمة، حيث تتحول المصافي من مجرد مستهلكين للأسعار في نظام يقوده الكارتل إلى حراس بوابات في نظام سياسي. وبالتالي يتغير توازن القوة عبر سلسلة التوريد بشكل كبير.
وهذه اللحظة تعيد تشكيل التوقعات حول من يؤثر فعليًا على أسعار النفط في السنوات القادمة. فبالرغم من أن المنتجين والتحالفات لا يزالون مهمين، إلا أن السلطة على الوصول إلى الخام أصبحت تساوي التحكم في الإنتاج من حيث التأثير.
وسيختبر المستقبل القريب مدى قدرة الهياكل التقليدية للنفوذ على التكيف. فالعالم لم يعد يهيمن فيه أوبك وحده، بل يتسرب النفوذ عبر السياسة الحكومية أكثر من إجماع المنتجين.
يتحول مركز الثقل في أسواق الطاقة، ومن يدرك هذا التحول مبكرًا سيحصل على رؤية أوضح للمرحلة القادمة في تسعير النفط مقارنة بالاعتماد على خريطة الأمس.
