فوضى الأسعار تجتاح أسواق النفط

تم النشر 14/01/2026, 11:21

بدأت أسواق النفط في تسعير سيناريوهات فوضى جيوسياسية أكثر من تركيزها على أساسيات العرض والطلب، في ظل ارتفاع ملحوظ في الطلب على أدوات التحوط ضد القفزات المفاجئة في الأسعار، وهو ما يعكس تحوّلًا نفسيًا عميقًا لدى المتعاملين يتجاوز تقلبات السوق المعتادة.

ويبدو أن المتداولين باتوا يستعدون لظروف صادمة وليس لتغيرات تدريجية، مع تركّز المخاوف بشكل رئيسي على إيران، التي لم تعد تُعامل في الأسواق كعامل إقليمي محدود، بل كخطر محتمل ذي أبعاد نظامية قد ينعكس على استقرار سوق الطاقة العالمي.

ويشير الحجم الكبير لعمليات التحوط الجارية حاليًا إلى أن الأسواق تستبق سيناريوهات تصعيد كبرى، مثل اندلاع صراعات، أو فرض عقوبات واسعة، أو اضطرابات سياسية على مستوى النظام الحاكم، وهي تحركات نادرًا ما تظهر استجابة لاحتجاجات داخلية فقط.

وفي هذا السياق، يبرز مضيق هرمز كأحد أبرز نقاط القلق، إذ لم يعد يُنظر إليه كممر تجاري حيوي فحسب، بل كمصدر خطر استراتيجي قد يتحول في أي لحظة إلى نقطة اختناق للإمدادات العالمية.

وزاد من حدة التوتر وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سدة الحكم، مع إشارته إلى عواقب أكثر صرامة بحق الدول التي تواصل التعامل التجاري مع طهران، ما عزز حالة القلق في أسواق الطاقة التي تُعد الأسرع استجابة للتغيرات السياسية مقارنة ببقية فئات الأصول.

وعادة ما تتحرك أسعار النفط استباقيًا مع تشدد الخطاب السياسي، إذ يعيد المتداولون تموضعهم قبل أن تتبلور القرارات الرسمية، لتبدأ الأسعار في عكس احتمالات التصعيد بدلًا من التهدئة.

ويعكس ارتفاع علاوة المخاطر في أسعار الخام مخاوف من دخول مرحلة أكثر مواجهة في صنع القرار السياسي، حيث لم تعد الأسواق تنتظر ظهور الاضطرابات فعليًا في بيانات الصادرات أو جداول الشحن، بل تتحرك بناءً على التوقعات لا على التأكيدات.

ورغم أن إيران تبقى محور القلق الأساسي، فإن هشاشة صورة الإمدادات العالمية تزيد من حساسية السوق. فبينما تُطرح فنزويلا أحيانًا كبديل محتمل لتعويض أي نقص، إلا أن ضعف بنيتها الإنتاجية، وعدم الاستقرار السياسي، وتعقيدات علاقاتها الدولية، تقلل من قدرتها على موازنة المخاطر المتزايدة في مناطق أخرى.

وتجاهل طبيعة عمل الأسواق في أوقات التوتر عبر افتراض أن انفراجًا محدودًا لدى منتج خاضع للعقوبات قد يعوض تشدد الضغوط على منتج آخر، يبدو رهانًا غير واقعي، إذ إن توفر الإمدادات نظريًا لا يعني بالضرورة موثوقيتها عمليًا.

في مثل هذه الظروف، ترتفع أقساط التأمين، ويتراجع التمويل، ويتردد المشترون، دون أن تختفي البراميل فعليًا من السوق. فالمخاطر وحدها كافية لتشديد المعروض ودفع الأسعار للارتفاع.

ولا تقتصر تداعيات هذا التحرك على أسواق الطاقة فقط، بل تمتد سريعًا إلى بقية الأصول، حيث تتغير توقعات التضخم، وتتحول تدفقات العملات، وتُعاد تسعير الأسهم والسندات وفق افتراضات أعلى للتكلفة والمخاطر.

كما ينعكس ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية في النفط مباشرة على تكاليف النقل والغذاء والطاقة المنزلية، ما يفرض ضغوطًا إضافية على الميزانيات الحكومية، ويضغط على هوامش أرباح الشركات المعتمدة على سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية.

ويبقى عامل السرعة هو الخطر الأكبر، إذ تتحرك أسواق الطاقة في لحظات لا عبر مسارات بطيئة، حيث يمكن لإعلان واحد أو تصعيد غير محسوب أن يغير التوقعات بين ليلة وضحاها.

وتشير تموضعات المتداولين حاليًا إلى استعداد لسيناريو تكون فيه كلفة الخطأ أعلى من كلفة التهدئة، مع انتقال المخاطر من هامش التوقعات إلى قلبها. ولم يعد النفط مجرد سلعة، بل مؤشرًا على مستوى الثقة في النظام العالمي.

وفي الوقت الراهن، تعكس حركة الأسعار استعدادًا لمرحلة من الضغوط وعدم التوازن، دون أن يعني ذلك بالضرورة حتمية اندلاع أزمة، لكنه يكشف مدى ضيق هامش الخطأ في المشهد الجيوسياسي والاقتصادي العالمي.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو أسواق الطاقة وقد حسمت رهانها مسبقًا، حيث تتحرك الأسعار أسرع من البيانات والسياسات، حاملة رسالة واضحة مفادها أن مرحلة التصعيد باتت أقرب في حسابات المستثمرين من سيناريو الاستقرار.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.