نظرة تفصيلية لقرارات الفيدرالي الأمريكي وأسباب ارتفاع الذهب

تم النشر 29/01/2026, 16:20

قرار الفيدرالي الأخير لم يكن مجرد تثبيت فائدة، بل رسالة أعمق للأسواق.

الذهب لم يرتفع صدفة، بل استجابة لهجة نقدية أقل تشددًا، وعوائد حقيقية مضغوطة، وتزايد التساؤلات حول استقلالية السياسة النقدية وجودة بيانات سوق العمل.

في هذا المقال أحاول الإجابة على العديد من التساؤلات الهامة مثل لماذا قرأ المستثمرون بيان الفيدرالي كإشارة تحوط لا طمأنة، وكيف يمكن أن يتحول تجاهل مخاطر التوظيف إلى عامل ضغط مستقبلي على السياسة النقدية.

قراءة تحليلية لمن يريد فهم حركة الذهب من زاوية الاقتصاد والسياسة النقدية، لا من منظور العناوين السريعة فقط.

 قرار الفيدرالي الأمريكي بتثبيت أسعار الفائدة بالأمس مصحوبًا بتأكيد جيروم بأول أن الاقتصاد الأمريكي يقف على أرضية صلبة، يعكس ثقة واضحة في قوة النمو وقدرة سوق العمل على الصمود. لكن القراءة المتأنية للبيانات، بعيدًا عن العناوين الرئيسية، تثير تساؤلات جدية حول مدى دقة هذا التقييم، خصوصًا بعد إزالة الإشارة الصريحة إلى أن مخاطر الهبوط على سوق العمل قد ارتفعت في الأشهر الأخيرة

هذه الخطوة ليست تقنية فقط، بل تحمل دلالة سياسية ونقدية مهمة، لأنها تعيد توجيه بوصلة الخطاب نحو التضخم، في لحظة لا تبدو فيها سوق العمل بنفس المتانة التي يحاول صانعو السياسة تصويرها.

 أولًا: نمو قوي لا يعني سوق عمل صحي

صحيح أن الناتج المحلي الإجمالي يحقق معدلات نمو قوية نسبيًا، مدفوعًا بالإنفاق الاستهلاكي، والإنفاق المالي، واستثمارات الذكاء الاصطناعي. لكن التاريخ الاقتصادي الأمريكي يعلمنا أن الخلاف بين النمو وسوق العمل غالبًا ما يُحسم لصالح سوق العمل، كما أقر باول نفسه.

المشكلة هنا أن الفيدرالي يتعامل مع هذا التناقض وكأنه مؤقت أو إحصائي، بينما المؤشرات التفصيلية تشير إلى تباطؤ هيكلي أعمق.

 ثانيًا: أرقام الوظائف تحت المجهر

الاعتماد على متوسطات الوظائف غير الزراعية يخفي صورة أقل ارتياحا:

  • استبعاد قطاع الرعاية الصحية يكشف أن الوظائف الخاصة وغير الزراعية كانت ضعيفة، بل تستقر في النطاق السلبي في عدة أشهر.
  • الوظائف غير الزراعية باستثناء الرعاية الصحية انخفضت في أربعة من آخر ستة أشهر، واستقرت في شهر واحد، مع شهر إيجابي واحد فقط.
  • نمو الوظائف الشهري حول 50 ألف وظيفة لا يتماشى تاريخيًا مع اقتصاد يفترض أنه على أرضية صلبة.

الأخطر أن مكتب الإحصاء سيجري مراجعات سنوية قريبة قد تمحو أكثر من 900 ألف وظيفة من البيانات السابقة، ما يعني أن الصورة الحالية قد تكون متفائلة بشكل مصطنع.

ثالثًا: جودة البيانات ومشكلة التوقيت السياسي

الشكوك حول جودة التعديلات الموسمية، وتضخم الأرقام بعد تغييرات إدارية من مكتب الإحصاء، تفرض سؤالًا مهمًا:

هل يقلل الفيدرالي من لهجته الحذرة تجاه سوق العمل لأنه يرى تحسنًا حقيقيًا، أم لأنه لا يرغب في إرسال إشارة تسهيلية في بيئة سياسية مشحونة؟

خاصة في ظل تصاعد الجدل حول استقلالية البنك المركزي، بعد ضغوط متزايدة من ترامب ، سواء عبر التصريحات أو من خلال ملف التحقيقات، يصبح الصمت أو التخفيف اللفظي أداة بحد ذاته.

رابعًا: التضخم والتعريفات الجمركية، رهان محفوف بالمخاطر

يراهن الفيدرالي على أن أثر التعريفات الجمركية مؤقت وسيبلغ ذروته ثم يتلاشى. هذا الافتراض قد يصح في عالم مستقر تجاريًا، لكنه يبدو ضعيفا في ظل:

  • عدم اليقين السياسي.
  • احتمالات عودة التصعيد التجاري.
  • انتقال الضغوط من السلع إلى الخدمات.

أي خطأ في هذا الرهان قد يضع الفيدرالي أمام معضلة حادة: تضخم لا يهدأ، وسوق عمل أضعف مما كان متوقعًا.

خامسًا: الخطر الحقيقي هو المخاطر الأخلاقية

بعيدًا عن البيانات، هناك بُعد لا يستطيع الفيدرالي الإفصاح عنه علنًا:

خفض الفائدة بقوة في هذا التوقيت قد يشجع على سياسات مالية وتجارية أكثر تهورًا، تحت افتراض أن البنك المركزي سيتدخل دائمًا لإنقاذ النمو.

هذا النوع من المخاطر الأخلاقية لا يمكن إدراجه في بيان رسمي، لكنه حاضر بقوة في حسابات أعضاء الفيدرالي الأمريكي.

 تصريحات لا تظهر الجانب الحقيقي للاقتصاد الأمريكي

إزالة الإشارة إلى مخاطر التوظيف لا تعني بالضرورة أن هذه المخاطر اختفت، بل قد تعكس رغبة الفيدرالي في كسب الوقت، والحفاظ على توازن دقيق بين الاقتصاد والسياسة والمصداقية.

الاقتصاد الأمريكي لم يدخل ركودًا، لكنه أيضًا لا يعيش حالة قوة شاملة كما توحي العناوين. تجاهل إشارات الضعف في سوق العمل، خاصة في هذه المرحلة المتأخرة من الدورة، قد يكون مكلفًا لاحقًا، سواء عبر تصحيح أعنف أو فقدان ثقة الأسواق.

الدرس الأهم

عندما تصبح الرواية الرسمية أكثر تفاؤلًا من البيانات التفصيلية، فهذه ليست إشارة قوة، بل إشارة تستحق الحذر.

أسباب ارتفاع أسعار الذهب بعد قرار الفيدرالي الأمريكي

الرسالة الضمنية كانت أكثر تيسيرًا من العنوان

رغم تثبيت الفائدة، لهجة الفيدرالي الأمريكي كانت تميل إلى أن السياسة الحالية ليست مقيدة فعليًا، مع فتح باب الخفض لاحقًا إذا هدأت الأسعار. هذا وحده كافٍ لإعادة تسعير الذهب صعودًا، لأن السوق يتداول المستقبل لا القرار الحالي.

العوائد الحقيقية لم ترتفع

الذهب لا يهتم بالفائدة الاسمية، بل بالعائد الحقيقي. ومع اعتراف جيروم بأول بأن التضخم لم يرتفع على أساس سنوي بشكل قوي، بقيت العوائد الحقيقية مضغوطة. عندما لا ترتفع العوائد الحقيقية، لا توجد تكلفة فرصة حقيقية لحيازة الذهب.

الدولار ضعف بسبب السياسة لا البيانات

باول تجنب تمامًا التعليق على تحركات الدولار، وأحال الأمر إلى الخزانة. هذا الصمت تم تفسيره كسماح ضمني بهبوط الدولار، خاصة مع تصاعد المخاوف حول استقلالية السياسة النقدية. ضعف الدولار تاريخيًا يدعم الذهب مباشرة.

استقلالية الفيدرالي أصبحت عامل تسعير

دفاع باول الصريح عن استقلالية البنك المركزي جاء في لحظة ضغط سياسي مرتفع. السوق لا يتداول السياسة فقط، بل المخاطر المؤسسية. أي شك في استقلال القرار النقدي يرفع الطلب على الأصول التي لا ترتبط بحكومة أو بنك مركزي، وعلى رأسها الذهب.

تجاهل ضعف سوق العمل زاد القلق بدل الطمأنينة

عدم الإشارة إلى ارتفاع مخاطر التوظيف، رغم تباطؤ التوظيف الحقيقي بعد استبعاد الرعاية الصحية، أرسلت إشارة غير مريحة. السوق قرأ ذلك كتأجيل للاعتراف بالمشكلة لا حلًا لها. تاريخيًا، عندما يقلل الفيدرالي من شأن مخاطر النمو، يتحول المستثمرون إلى التحوط.

الذهب لم يتحرك بدافع الخوف فقط، بل بدافع التمركز

اللافت أن باول قال صراحة إنه لا يستخلص دلالات من أسعار الذهب والفضة. هذه العبارة بحد ذاتها رسالة للأسواق بأن الفيدرالي لا ينوي مقاومة هذا الصعود لفظيًا، ما شجع على بناء مراكز طويلة الأجل بدل مضاربات قصيرة.

ولهذا الذهب لم يرتفع لأن الفيدرالي كان متساهلًا، بل لأنه لم يكن متشددًا عندما كان يجب أن يكون كذل حيث أن تثبيت الفائدة مع نفي القيود الاقتصادية، مع تضخم لم يتم السيطرة عليه بعد بشكل كامل وسوق عمل تتآكل جودته، مع ضغوط سياسية غير مسبوقة، هذا مزيج كلاسيكي يدفع الذهب للصعود، وقد ذكرت في التقرير السابق أن قرارات الفيدرالي الأمريكي ستدفع الذهب للمزيد من الارتفاع يمكنكم الاطلاع عليه من التقرير السابق. 

أسعار الذهب

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.