مجلس الذهب العالمي يكشف عن مفاجآت قوية بشأن الطلب على المعدن الأصفر
شهد عام 2025 تحولًا غير مسبوق في سوق الذهب، حيث لم يعد ارتفاع الأسعار مجرد رد فعل مؤقت على الأزمات، بل نتيجة تغيرات أعمق في سلوك المستثمرين والبنوك المركزية والمستهلكين. في بيئة تتسم بتقلبات سياسية واقتصادية متزايدة، عاد الذهب ليتصدر المشهد كأداة حماية حقيقية للقيمة، لا كخيار احتياطي. هذا التقرير يستعرض كيف ولماذا وصل الذهب إلى هذه المكانة، وما الذي تعنيه هذه التحولات للمستقبل.
عام استثنائي للذهب
كيف أعادت الجغرافيا السياسية، البنوك المركزية، والمستثمرون رسم خريطة سوق الذهب في 2025
شهد عام 2025 نقطة تحول تاريخية في سوق الذهب العالمي، حيث تجاوز إجمالي الطلب 5,000 طن لأول مرة في التاريخ، بالتزامن مع تسجيل أسعار الذهب 53 قمة تاريخية جديدة خلال العام، لترتفع القيمة الإجمالية للطلب إلى 555 مليار دولار، بزيادة سنوية قدرها 45%

هذا الأداء لم يكن نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تفاعل معقد بين السياسة النقدية، التوترات الجيوسياسية، سلوك المستثمرين، وتغير أنماط الطلب الاستهلاكي.
أولًا: الاستثمار هو المحرك الرئيسي للطلب
طفرة تاريخية في الطلب الاستثماري
الطلب الاستثماري كان المحرك الأقوى في 2025، حيث قفز بنسبة 84% ليصل إلى 2,175 طن، وهو أعلى مستوى مسجل على الإطلاق

صناديق الذهب المتداولة ETFs سجلت تدفقات قياسية بلغت 801 طن، ثاني أقوى عام في تاريخها.
- السبائك والعملات الذهبية وصلت إلى أعلى مستوى لها منذ 12 عامًا.
- القيمة الإجمالية للاستثمار في الذهب تجاوزت 240 مليار دولار.
الدافع الأساسي لم يكن فقط التحوط، بل مزيج من:
- ضعف الثقة في الأصول الخطرة.
- توقعات خفض أسعار الفائدة.
- مخاوف استقلالية البنوك المركزية.
- تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
ثانيًا: البنوك المركزية ترسخ الذهب كأصل استراتيجي
طلب قوي رغم الأسعار القياسية
اشترت البنوك المركزية 863 طنًا من الذهب في 2025، وهو مستوى أقل من ذروة 2022–2024، لكنه لا يزال أعلى بكثير من متوسط العقد السابق.

- بولندا كانت أكبر مشترٍ بإضافة 102 طن.
- بنوك الأسواق الناشئة واصلت تنويع الاحتياطيات بعيدًا عن الدولار.
- نسبة الذهب من الاحتياطيات العالمية تقترب من مستويات أوائل التسعينات.
الأهم أن 57% من الطلب الرسمي غير معلن، ما يعكس استمرار الشراء الاستراتيجي بعيدًا عن الأضواء.
ثالثًا: المجوهرات تتراجع حجمًا وتزدهر قيمة
فجوة واضحة بين الحجم والقيمة
انخفضت كميات الطلب على المجوهرات بنسبة 18% إلى 1,542 طن، وهو أدنى مستوى في خمس سنوات، لكن قيمة الطلب ارتفعت إلى 172 مليار دولار، وهو رقم قياسي جديد
هذا التناقض يعكس:
- حساسية المستهلكين للأسعار.
- التحول نحو أوزان أخف وعيارات أقل.
- بقاء الذهب كأداة ادخار وليس فقط للزينة.
الصين والهند
- الصين سجلت أضعف طلب حجمي منذ أكثر من 15 عامًا، بسبب تباطؤ الاقتصاد وإصلاحات ضريبية.
- الهند حافظت على طلب قوي بالقيمة، مع تحول واضح نحو الاستثمار والسبائك.
رابعًا: الشرق الأوسط وتركيا
الذهب كملاذ في بيئة تضخمية
شهدت المنطقة:
- تراجعًا في أحجام الطلب.
- ارتفاعًا قويًا في القيم.
في السعودية والإمارات، ساهمت الضرائب وارتفاع الأسعار في تحويل الطلب من المجوهرات إلى الاستثمار.
في تركيا، التضخم المرتفع أدى إلى تآكل القوة الشرائية، لكن الذهب ظل أداة حماية للثروة
خامسًا: المعروض لا يواكب الطلب
استجابة محدودة من المناجم وإعادة التدوير
- إنتاج المناجم سجل رقمًا قياسيًا جديدًا عند 3,672 طن، بزيادة 1% فقط.
- إعادة التدوير ارتفعت 3% فقط، رغم قفزة السعر بنسبة 67%.
هذا السلوك يعكس:
- عدم وجود ضغوط اقتصادية تجبر الأفراد على البيع.
- توقعات باستمرار ارتفاع الأسعار.
- تراجع حساسية المعروض تجاه السعر مقارنة بما قبل 2022
سادسًا: العوامل الجيوسياسية والمالية
التقرير يربط بوضوح بين:
- ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية.
- تقلب أسواق السندات.
- تقييمات مرتفعة للأسهم.
كلها عوامل عززت جاذبية الذهب كأصل لا يعتمد على التزامات طرف مقابل.
آفاق 2026: استمرار القوة مع مخاطر تصحيح
يتوقع التقرير:
- استمرار الطلب الاستثماري القوي.
- بقاء مشتريات البنوك المركزية مرتفعة.
- ضعف مستمر في الطلب الحجمي على المجوهرات.
لكن مع التحذير من:
- احتمالية جني أرباح مؤقتة.
- تصحيحات سعرية قصيرة الأجل دون كسر الاتجاه الهيكلي الصاعد.
في النهاية يشير التقرير إلى أن الذهب لم يعد مجرد ملاذ وقت الأزمات، بل أصبح أصلًا استراتيجيًا دائمًا في عالم يتسم بعدم اليقين النقدي والجيوسياسي.
الطلب في 2025 لم يكن عاطفيًا، بل مؤسسيًا، واسع النطاق، ومتعدد المصادر، وهو ما يفسر لماذا أي تصحيح محتمل قد يكون فرصة إعادة تمركز للشراء، لا نهاية لدورة الصعود.
