أرامكو تشعل منافسة جديدة في سوق النفط وتنفذ أكبر خفض للأسعار منذ ربع قرن
لم يعد النقاش حول الذهب يدور فقط حول كونه ملاذاً آمناً في أوقات الأزمات، بل أصبح انعكاساً مباشراً للصراع بين السياسة النقدية الأمريكية والتحولات الجيوسياسية والمالية العالمية. وفي الوقت الذي اعتاد فيه المستثمرون النظر إلى المعدن الأصفر باعتباره الرابح الأكبر من أي دورة لتيسير السياسة النقدية، جاءت الأسابيع الأخيرة لتفرض واقعاً مختلفاً، بعد أن بدأت أكبر المؤسسات المالية في وول ستريت بإعادة تقييم توقعاتها، وفي مقدمتها بنك جي بي مورغان، الذي خفّض سقف تفاؤله بشأن أسعار الذهب، محذراً من أن استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي قد يعيد الاحتياطي الفيدرالي إلى خيار رفع أسعار الفائدة مجدداً.
ومن وجهة نظري، فإن هذه الرسائل لا تعني نهاية الاتجاه الصاعد للذهب، لكنها تؤكد أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر تعقيداً، وأن المستثمرين لم يعودوا قادرين على الاعتماد على سيناريو واحد كما كان الحال خلال الأشهر الماضية.
وأعتقد أن الأسواق ارتكبت خطأً عندما بنت جزءاً كبيراً من توقعاتها على فرضية أن دورة خفض الفائدة أصبحت أمراً محسوماً. فمع عودة الضغوط التضخمية في الولايات المتحدة وصدور بيانات اقتصادية أقوى من المتوقع، بدأ الحديث يتحول تدريجياً من توقيت خفض الفائدة إلى احتمالية الإبقاء على السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول، بل وحتى إعادة رفع الفائدة إذا استدعت الظروف ذلك. وهذه النقلة في التوقعات ليست مجرد تغيير في الخطاب، وإنما تغيير في آلية تسعير جميع الأصول، وعلى رأسها الذهب، الذي يتأثر بشكل مباشر بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار.
ورغم هذا التحول، لا أرى أن تعديل جي بي مورغان لتوقعاته يمثل إعلاناً بانتهاء موجة الصعود، وإنما يعكس قراءة أكثر واقعية للمخاطر قصيرة الأجل. فالبنك لا يزال يتوقع وصول الذهب إلى مستويات مرتفعة مقارنة بالأسعار الحالية، لكنه لم يعد يتوقع الارتفاعات السريعة التي كانت الأسواق تراهن عليها قبل أسابيع. وبرأيي، فإن هذا التعديل يعكس إدراكاً بأن المستثمرين بالغوا في تسعير سيناريو خفض الفائدة، بينما تجاهلوا احتمال استمرار الاقتصاد الأمريكي في إظهار مرونة استثنائية قد تدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على تشدده لفترة أطول.
وفي المقابل، يبرز عامل لا يقل أهمية عن السياسة النقدية، وهو استمرار الطلب الرسمي من البنوك المركزية حول العالم. فمن الواضح أن عدداً متزايداً من الاقتصادات، خاصة الناشئة منها، يواصل تنويع احتياطياته بعيداً عن الدولار، مع تعزيز حيازاته من الذهب كأصل استراتيجي طويل الأجل.
ومن وجهة نظري، فإن هذا العامل يمثل صمام الأمان الحقيقي لأسعار الذهب، لأنه يخلق طلباً هيكلياً يصعب أن يختفي حتى في فترات ارتفاع الفائدة أو قوة الدولار. ولذلك أرى أن أي تراجعات حادة قد تواجه الذهب ستكون محدودة نسبياً طالما استمرت البنوك المركزية في هذا النهج.
وما يزيد المشهد تعقيداً هو الانقسام الواضح داخل وول ستريت نفسها. ففي الوقت الذي تبنى فيه جي بي مورغان رؤية أكثر تحفظاً، لا تزال مؤسسات مثل غولدمان ساكس ومورغان ستانلي ويو بي إس ترى أن الذهب يمتلك فرصة للوصول إلى مستويات قياسية خلال الفترة المقبلة، وإن اختلفت مبررات كل مؤسسة. فهذا التباين لا يعكس تضارباً في التحليل بقدر ما يعكس اختلافاً في تقدير وزن كل متغير مؤثر، فهناك من يعتقد أن الفيدرالي سيكون العامل الحاسم، بينما يرى آخرون أن مشتريات البنوك المركزية والمخاطر الجيوسياسية ستتفوق في النهاية على تأثير السياسة النقدية.
ومن وجهة نظري، فإن كلا الرأيين يمتلك جزءاً من الحقيقة. فالذهب في الأجل القصير سيظل أسيراً للبيانات الأمريكية، خصوصاً بيانات التضخم وسوق العمل ومؤشرات النشاط الاقتصادي، لأنها ستحدد مسار الفيدرالي. أما في الأجل المتوسط والطويل، فإن العوامل الهيكلية، مثل تنامي الطلب الرسمي واستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي وارتفاع مستويات الدين العالمي، ستعيد فرض نفسها كعوامل داعمة للأسعار.
كما أرى أن المستثمرين يركزون بصورة مفرطة على قرارات الفيدرالي، بينما يقللون من أهمية التحولات التي يشهدها النظام المالي العالمي. فالعالم يتجه تدريجياً نحو تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار، وهو اتجاه لن يتغير بين ليلة وضحاها، بل قد يستمر لسنوات. وفي هذا السياق، يبقى الذهب أحد أبرز المستفيدين من هذا التحول، ليس لأنه أصل مضارب فقط، وإنما لأنه يمثل مخزناً للقيمة في بيئة تتزايد فيها المخاطر الاقتصادية والسياسية.
وفي تقديري، ستكون الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه الذهب حتى نهاية العام. فإذا استمرت البيانات الأمريكية في مفاجأة الأسواق بالإيجابية، فمن المرجح أن نشهد موجات تصحيحية نتيجة ارتفاع الدولار والعوائد الأمريكية. أما إذا بدأت مؤشرات الاقتصاد الأمريكي في التباطؤ أو ظهرت إشارات واضحة على تراجع الضغوط التضخمية، فإن الأسواق ستعيد تسعير احتمالات خفض الفائدة سريعاً، وهو ما قد يمنح الذهب دفعة قوية نحو قمم تاريخية جديدة.
ورغم ذلك، فإنني لا أفضل التعامل مع الذهب وفق نظرة أحادية الاتجاه. فالمرحلة الحالية تتطلب مرونة أكبر في إدارة المحافظ الاستثمارية، لأن السوق أصبح يتفاعل مع كل بيان اقتصادي وكل تصريح من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي بصورة أكبر من أي وقت مضى. ولذلك فإن التقلبات المرتفعة ليست مؤشراً على ضعف الاتجاه، بل تعكس حالة عدم اليقين التي تسبق عادة التحركات الكبيرة في الأسواق.
وفي نهاية المطاف، أعتقد أن الذهب لم يفقد مقوماته الأساسية كأصل استراتيجي، لكنه دخل مرحلة جديدة تتطلب من المستثمرين التمييز بين الضغوط قصيرة الأجل والدوافع طويلة الأجل. نعم، قد ينجح الفيدرالي في إبطاء وتيرة الصعود مؤقتاً إذا استمرت البيانات الاقتصادية القوية، لكن من الصعب تجاهل التأثير المتزايد لمشتريات البنوك المركزية، واستمرار المخاطر الجيوسياسية، وارتفاع مستويات الديون العالمية، وهي عوامل تجعل أي تراجع في الأسعار أقرب إلى إعادة تسعير مؤقتة منه إلى بداية اتجاه هابط طويل الأمد. ومن هذا المنطلق، فإن توقعي هو أن الذهب سيظل يتحرك في بيئة شديدة التقلب خلال النصف الثاني من عام 2026، إلا أن الاتجاه العام سيبقى مائلاً إلى الإيجابية التي قد تصل به الى مستويات 6300 دولار على المدى المتوسط، مع بقاء البيانات الأمريكية وسياسة الاحتياطي الفيدرالي العامل الأكثر تأثيراً في تحديد سرعة الوصول إلى تلك المستويات.
