عاجل: صدور محضر اجتماع الفيدرالي..انقسام عنيف وخطر محيط
لا تبدو حركة الأسواق الأميركية هذه الأيام مجرد امتداد لموجة صعود تقليدية، بل أقرب إلى إعادة تشكيل عميق لخريطة النفوذ داخل وول ستريت، حيث تتداخل التكنولوجيا والسياسة النقدية وحتى الرمزية السياسية، في رسم ملامح المرحلة القادمة، وبدأت جلسة اليوم الاثنين على إررتفاعات وواصل المؤشرات بالإرتفاع، مدعومة بعودة قوية لأسهم أشباه الموصلات، في إشارة إلى أن الرهان على الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية لم يفقد زخمه بعد.
اللافت في هذه الدورة أن أسهم الرقائق لم تعد وحدها في دائرة الضوء، وصحيح أن إعلان برودكوم توسيع شراكته مع ابل حتى عام 2031، أعاد إشعال الحماس في القطاع إلا أن المستثمرين بدأوا يبحثون عن الطبقة الثانية من الفرص، أي القطاعات التي لم تشارك بالكامل في موجة الصعود السابقة، ولهذا فقد رأينا زخما في الرعاية الصحية والصناعة والخدمات المالية، وهو ما قد يمثل بداية تحول هيكلي نحو سوق أكثر توازنا، لكن ورغم هذه الإيجابيات تبقى السياسة النقدية هي العامل الأكثر حساسية، الأنظار تتجه إلى الفدرالي الأمريكي ليس فقط لمعرفة قراراته، بل لفهم طريقته في التفكير والقرارات القادمة، ومحضر الاجتماع القادم قد لا يحمل مفاجآت صريحة، لكنه سيكون بمثابة قراءة بين السطور لمسار الفائدة.
والأسواق التي خفضت رهاناتها على رفع جديد، تراهن الآن على أن الفيدرالي يقترب من نهاية دورة التشديد، لكن دون إعلان رسمي، وفي قلب هذا المشهد تظهر البيانات الاقتصادية بصورة مزدوجة، حيث صدرت اليوم بيانات إقتصادية هامة من أكبر إقتصاد في العالم عن قطاع الخدمات والذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الأميركي، وبدأ يفقد بعض زخمه مع تراجع مؤشر مديري المشتريات إلى 54 نقطة، هذه القراءة لا تزال في منطقة النمو، لكنها تعكس تباطؤا تدريجيا، خاصة مع انخفاض الطلبات وتراجع المخزونات واستمرار اختناقات سلاسل الإمداد، إلى أن عودة التوظيف إلى التوسع تمنح بعض التوازن، وتؤكد أن الاقتصاد لا ينهار بل يهدأ، هذا الهدوء هو تحديدا ما يجعل المرحلة الحالية حساسة، فالاقتصاد لا ينمو بقوة لكنه لا يتراجع أيضا، والأسواق ترتفع لكن بثقة مشروطة.
ومع اقتراب موسم نتائج الربع الثاني، يدخل المستثمرون اختبارا حقيقيا، فشركات مثل دلتا ايرلاينز وبيبسيكو ستقدمان إشارات مبكرة، لكن التركيز الأكبر سيبقى على الشركات التكنولوجية الكبرى، خاصة بعد التذبذب الأخير في أداء العظماء السبعة، والسوق اليوم لا يبحث عن نتائج جيدة فقط، بل عن مبررات حقيقية للتقييمات المرتفعة، ولا يمكن تجاهل الإشارات المتناقضة داخل الشركات نفسها، وإعلان شركة مايكروسوفت خفض آلاف الوظائف يعكس جانبا من إعادة الهيكلة العميقة في قطاع التكنولوجيا.
ولكن المشهد لا يكتمل دون التوقف اليوم عند الحدث الأكثر رمزية قرع جرس افتتاح التداول من داخل البيت الأبيض، في خطوة غير مسبوقة، اختار الرئييس الأمريكي دونالد ترامب أن يقرع جرس افتتاح الأسواق من المكتب البيضاوي، في محاولة واضحة لربط الأداء الاقتصادي برئاسته، وتحديدا سوق الأسهم بنجاحه السياسي، هذه ليست مجرد لفتة بروتوكولية بل رسالة مدروسة بعناية فالسوق يرتفع إذن الاقتصاد قوي، إذن السياسات ناجحة، ولكن الواقع أكثر تعقيدا من هذا الربط المباشر، فبينما تحقق المؤشرات مكاسب قوية، لا يشعر جميع الأميركيين بنفس الزخم، خاصة في ظل استمرار التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، حيث أن جزء كبير من الأسر لا تمتلك استثمارات مباشرة في الأسهم، مما يعني أن ثروة السوق لا تتحول بالضرورة إلى شعور عام الرفاهية.
ويمكن فهم هذا الحدث كجزء من معركة سردية، أكثر منه حدثا اقتصاديا بحتا، فالإدارة الحالية تحاول إعادة توجيه الانتباه نحو الأسواق، بينما يظل الناخب العادي أكثر تركيزا على الأسعار والوظائف والدخل الحقيقي، والان تقف وول ستريت اليوم عند نقطة توازن دقيقة فهناك زخم حقيقي مدعوم بالتكنولوجيا والسيولة، لكن هناك أيضا شكوك متزايدة حول استدامته، والسوق لم يعد يتحرك بدافع التفاؤل وحده بل تحت ضغط التقييمات المرتفعة، والبيانات المتباينة، والتدخلات السياسية غير التقليدية ، والمرحلة القادمة لن تحسم بخبر واحد أو قرار واحد، بل بتراكم الإشارات من الفيدرالي ومن الشركات ومن الاقتصاد الحقيقي.

