رويترز: السعودية تشدد الرقابة على التحويلات المالية إلى الإمارات
الذهب تراجع اليوم إلى حدود 4385 دولارًا تحت ضغط ارتفاع عوائد السندات الأمريكية واستمرار قوة الدولار وعمليات جني الأرباح بعد المكاسب الأخيرة.
لكن قراءة هذه الحركة بمعزل عن الصورة الأكبر قد تكون مضللة.
فالذهب ما زال يتحرك داخل نطاق واسع يتراوح بين 3900 و4500 دولار للأونصة، وهو النطاق الذي تشكل بعد الارتداد القوي من القاع الذي سجله المعدن الأصفر دون 3900 دولار عقب الهبوط العنيف من قمته التاريخية قرب 5600 دولار.
وبينما تبدو حركة اليوم سلبية على المدى القصير، فإن الصورة الأوسع تشير إلى أن السوق ما زال يخوض معركة بين عاملين متعارضين: ارتفاع العوائد وقوة الدولار من جهة، واستمرار الشكوك المرتبطة بالتضخم والطاقة والنمو العالمي من جهة أخرى.
لماذا يتعرض الذهب للضغوط الآن؟
هناك ثلاثة عوامل رئيسية تضغط على الذهب خلال جلسات هذا الأسبوع.
العامل الأول يتمثل في استمرار ارتفاع عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل، وهو ما يجعل أدوات الدخل الثابت أكثر جاذبية مقارنة بالذهب الذي لا يوفر عائدًا دوريًا.
أما العامل الثاني فهو تمسك الدولار بقوته النسبية، ما يرفع تكلفة شراء الذهب للمستثمرين خارج الولايات المتحدة ويحد من الطلب العالمي على المدى القصير.
ويتمثل العامل الثالث في عمليات جني الأرباح الطبيعية بعد اقتراب الأسعار مؤخرًا من الحد العلوي للنطاق الذي سيطر على حركة الذهب خلال الأسابيع الماضية.
لكن اللافت أن هذه العوامل مجتمعة لم تكن كافية حتى الآن لإخراج الذهب من نطاقه الرئيسي أو فرض موجة هبوط واسعة النطاق، وهو ما يشير إلى أن المشترين ما زالوا يعتبرون التراجعات الحالية فرصًا لإعادة بناء المراكز أكثر من كونها بداية لانعكاس كبير في الاتجاه.
حين تختبر الأسواق قناعاتها
عندما هبط الذهب إلى أقل من 3900 دولار، كان كثير من المستثمرين مقتنعين بأن التضخم دخل مسارًا هبوطيًا مستدامًا، وأن البنوك المركزية نجحت في تجاوز أصعب مراحل المعركة.
لكن الذهب لم يبق هناك.
بل استعاد أكثر من 500 دولار من خسائره وعاد سريعًا إلى المنطقة الممتدة بين 3900 و4500 دولار.
وهذه ليست منطقة سعرية عادية فهي تمثل نقطة التقاء بين رؤيتين مختلفتين للعالم.
الرؤية الأولى ترى أن التضخم يتراجع وأن البنوك المركزية باتت أقرب إلى خفض الفائدة وإنهاء دورة التشديد النقدي.
أما الرؤية الثانية فترى أن الضغوط التضخمية أصبحت أكثر تعقيدًا، وأن الوصول إلى المستهدفات النهائية قد يستغرق وقتًا أطول بكثير مما تتوقعه الأسواق حاليًا.
ولهذا فإن بقاء الذهب داخل هذا النطاق لا يعكس فقط توازنًا سعريًا، بل يعكس انقسامًا حقيقيًا في قناعات المستثمرين بشأن المرحلة المقبلة.
كما أن صمود الذهب داخل هذه المنطقة رغم قوة الدولار وارتفاع العوائد يحمل رسالة مهمة. فالمستثمرون لا يتعاملون مع الذهب كوسيلة للتحوط من حدث واحد أو خطر محدد، بل كأداة للتعامل مع مجموعة متداخلة من المخاطر تشمل التضخم والطاقة والسياسة النقدية والمخاطر الجيوسياسية في آن واحد.
ولهذا تبدو تحركات الذهب الحالية أقرب إلى إعادة تقييم طويلة الأجل للمخاطر منها إلى استجابة مؤقتة لتحركات يومية عابرة.
هل انتهت معركة التضخم أم أن الأصعب لم يبدأ بعد؟
السؤال الحقيقي الذي يواجه الأسواق اليوم ليس ما إذا كان التضخم قد انخفض مقارنة بذروته السابقة.
السؤال هو:
هل تستطيع البنوك المركزية إنجاز الجزء الأخير من المهمة؟
فتاريخيًا لم تكن الصعوبة في خفض التضخم من مستويات مرتفعة إلى مستويات متوسطة، بل في خفضه من المستويات المتوسطة إلى المستهدفات النهائية، وهي المرحلة الأكثر تعقيدًا والأكثر استنزافًا للسياسة النقدية.
ولا تقتصر هذه المعضلة على الولايات المتحدة وحدها.
ففي أوروبا ما زالت أسعار الخدمات والأجور تشكل أحد أهم عناصر المراقبة لدى صناع السياسة النقدية، بينما يواجه الاقتصاد الصيني تحديات مختلفة ترتبط بإعادة التوازن الاقتصادي وتباطؤ النمو.
وفي الوقت نفسه، جاء انتهاء مهلة الستين يومًا بين الولايات المتحدة وإيران دون اتفاق نهائي ليضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى أسواق الطاقة.
وكان النفط أول من عكس هذا التطور.
لكن أهمية النفط لا تكمن في سعر البرميل فقط، بل في تأثيره المباشر على تكاليف النقل والشحن والإنتاج والتأمين وسلاسل التوريد العالمية.
ولهذا فإن أي ارتفاع مستدام في أسعار الطاقة يمتلك القدرة على إعادة الضغوط التضخمية إلى الاقتصاد العالمي حتى في الوقت الذي تحاول فيه البنوك المركزية إثبات نجاح سياساتها.
فالنفط لا يضغط على الذهب أو يدعمه بصورة مباشرة، بل يؤثر في العنصر الأكثر أهمية بالنسبة له:
توقعات التضخم المستقبلية.
ومن هنا تزداد أهمية الذهب، لأنه لا يراهن على مستوى التضخم الحالي بقدر ما يراهن على احتمالية أن تكون المرحلة الأخيرة من معركة التضخم أطول وأكثر صعوبة مما تتوقعه الأسواق.
ثلاثة سيناريوهات للذهب خلال المرحلة المقبلة
السيناريو الأول: اختراق 4500 دولار
يتطلب ذلك بقاء أسعار الطاقة مرتفعة، واستمرار الضبابية الجيوسياسية، وتزايد الشكوك حول قدرة البنوك المركزية على إنهاء معركة التضخم بسرعة.
السيناريو الثاني: استمرار الحركة داخل النطاق
وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا حاليًا، حيث تستمر الأسواق في تلقي إشارات متضاربة بين تباطؤ التضخم من جهة وارتفاع الطاقة والعوائد من جهة أخرى.
السيناريو الثالث: العودة دون 3900 دولار
ويتطلب ظهور دليل اقتصادي قوي يؤكد نجاح البنوك المركزية في إعادة التضخم إلى مستهدفاته، بالتزامن مع تراجع أسعار الطاقة وانحسار الضبابية الاقتصادية والسياسية.
خلاصة الفكرة اليوم أن:
القضية ليست أن الذهب افتتح عند 4436 دولارًا ثم تراجع إلى 4385 دولارًا.
القضية أن الذهب ما زال يتحرك داخل منطقة مرتفعة تاريخيًا تتراوح بين 3900 و4500 دولار رغم ارتفاع العوائد الأمريكية وتمسك الدولار بقوته واستمرار الحديث عن تراجع التضخم.
وما دام الذهب قادرًا على الحفاظ على تداوله داخل هذه المنطقة رغم كل العوامل التقليدية الضاغطة، فإن الرسالة التي يرسلها السوق تبدو واضحة:
المستثمرون لا يناقشون مستوى التضخم الحالي، بل يناقشون مدى صعوبة القضاء عليه بالكامل.
ولهذا قد لا تكون المعركة الحقيقية للذهب اليوم مع الدولار أو مع العوائد الأمريكية.
بل مع الفرضية التي تتبناها الأسواق بأن التضخم أصبح تحت السيطرة الكاملة.
وحتى يثبت الواقع الاقتصادي ذلك بصورة قاطعة، سيبقى الذهب أحد أهم المؤشرات على أن الشك ما زال حاضرًا داخل النظام المالي العالمي.










