الذهب يستعد لجولة صعود جديدة.. المستثمرون يعودون للرهانات والمفاجأة في سبتمبر
تقف عوائد سندات الخزانة الأمريكية أمام مرحلة شديدة الحساسية، بعدما دفعت مجموعة من العوامل المالية والاقتصادية والسياسية العوائد طويلة الأجل إلى مستويات لم نشهدها منذ سنوات. فقد تجاوز عائد السندات الأمريكية لأجل 30 عامًا مستوى 5.3%، في وقت ارتفع فيه عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى مستويات مرتفعة، بينما ظل المستثمرون يعيدون تقييم توقعاتهم بشأن التضخم، السياسة النقدية، والقدرة على احتواء العجز المالي الأمريكي.
ومن وجهة نظري، فإن ما يحدث في سوق السندات لا يمكن اعتباره مجرد موجة ارتفاع مؤقتة في العوائد، بل يعكس تحولًا أعمق في الطريقة التي يسعّر بها المستثمرون المخاطر المرتبطة بالدين الأمريكي.
وأرى أن العامل الأكثر أهمية وراء ارتفاع عوائد السندات الأمريكية حاليًا هو تصاعد المخاوف بشأن الوضع المالي للولايات المتحدة. استمرار ارتفاع العجز واحتياجات الاقتراض الحكومية يعني أن السوق سيحتاج إلى استيعاب كميات كبيرة من إصدارات الخزانة خلال الفترة المقبلة. وكلما ارتفع المعروض من السندات في ظل غياب رؤية واضحة لمسار الدين والعجز، ارتفع العائد الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بهذه الأصول. ولذلك، أعتقد أن جزءًا مهمًا من الارتفاع الحالي في عوائد الخزانة يعكس علاوة مخاطر مالية متزايدة، وليس فقط توقعات بشأن أسعار الفائدة قصيرة الأجل.
وتزداد أهمية هذه النقطة مع استمرار نمو عجز الموازنة الأمريكية. فقد ارتفع العجز في يوليو إلى نحو 432 مليار دولار، بزيادة كبيرة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. ومن وجهة نظري، فإن استمرار هذه الاتجاهات المالية سيجعل من الصعب على سوق السندات العودة سريعًا إلى مستويات العوائد المنخفضة التي اعتاد عليها المستثمرون خلال السنوات الماضية. وإذا لم تظهر إجراءات واضحة للحد من نمو الدين أو تحسين مسار المالية العامة، فأعتقد أن العوائد طويلة الأجل ستظل تحت ضغط صعودي حتى في حال بدأت أسعار الفائدة قصيرة الأجل في الانخفاض.
في المقابل، أرى أن السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي تمثل عاملًا حاسمًا في تحديد ما إذا كان ارتفاع العوائد سيتحول إلى اتجاه مستدام أم يبدأ في التراجع. المشكلة بالنسبة للأسواق ليست فقط مستوى أسعار الفائدة، وإنما درجة وضوح المسار المستقبلي للسياسة النقدية. فإذا ظل التضخم أعلى من المستوى المستهدف، وفي الوقت نفسه بقيت سوق العمل والنشاط الاقتصادي قادرين على الصمود، فقد يجد الفيدرالي نفسه مضطرًا للحفاظ على سياسة نقدية أكثر تشددًا لفترة أطول. وهذا السيناريو، في تقديري، سيبقي العوائد قصيرة ومتوسطة الأجل مرتفعة ويمنح العوائد طويلة الأجل دعمًا إضافيًا.
لكنني في الوقت نفسه لا أعتقد أن ارتفاع عوائد السندات يمكن تفسيره بالكامل بتوقعات رفع الفائدة. فالفارق بين العوائد قصيرة وطويلة الأجل أصبح يعكس مجموعة أوسع من المخاطر، أبرزها التضخم المستقبلي، حجم الإصدارات الحكومية، والمخاوف المتعلقة بالاستدامة المالية. لذلك، إذا بدأت الأسواق في تسعير خفض الفائدة بينما استمرت عوائد السندات طويلة الأجل في الارتفاع، فسأعتبر ذلك إشارة مهمة إلى أن ما يسمى بعلاوة الأجل أصبح المحرك الرئيسي للسوق. وفي هذه الحالة، قد نشهد استمرار الضغط على سندات الخزانة حتى مع تحسن توقعات السياسة النقدية.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل الارتفاع العالمي في عوائد السندات طويلة الأجل. فالعوائد المرتفعة في بريطانيا وألمانيا واليابان تؤكد، من وجهة نظري، أن ما يحدث ليس مشكلة أمريكية منفردة، بل جزء من إعادة تسعير عالمية لسوق الديون. ارتفاع مستويات الدين العام في الاقتصادات الكبرى يقلل من قدرة البنوك المركزية على التدخل بالشكل الذي اعتادته الأسواق سابقًا. ولذلك، أرى أن المستثمرين أصبحوا يطالبون بعائد أعلى للتعويض عن مخاطر الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل، وهو اتجاه قد يستمر لفترة أطول مما تتوقعه الأسواق.
أما بالنسبة إلى العلاقة بين عوائد السندات والدولار الأمريكي، فأعتقد أن الصورة أصبحت أكثر تعقيدًا. تاريخيًا، كان ارتفاع العوائد الأمريكية عاملًا داعمًا للدولار، لكن هذا الارتباط ليس مضمونًا عندما تكون العوائد المرتفعة ناتجة عن المخاوف المالية وارتفاع علاوة الأجل بدلًا من توقعات تشديد نقدي مباشر. ومن وجهة نظري، فإن استمرار ارتفاع العوائد طويلة الأجل بالتزامن مع ضعف الدولار سيكون إشارة مهمة على أن المستثمرين لا ينظرون إلى العائد المرتفع باعتباره ميزة كافية لشراء الأصول الأمريكية.
وبالنسبة إلى توقعاتي للفترة المقبلة، أميل إلى الاعتقاد بأن عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل ستظل مرتفعة ومتقلبة، مع بقاء عائد الـ30 عامًا فوق مستويات 5% لفترة من الوقت ما لم نشهد تراجعًا واضحًا في التضخم أو ضعفًا اقتصاديًا يجبر الفيدرالي على تغيير مساره بسرعة. وأرى أن تجاوز مستويات المقاومة الفنية المهمة في عائد الـ30 عامًا قد يفتح المجال أمام موجة صعود إضافية، بينما سيكون التراجع المستدام دون مستويات دعم رئيسية إشارة إلى أن السوق بدأ يعيد تسعير مخاطر النمو والسياسة النقدية بصورة أكثر إيجابية.
في المحصلة، أرى أن سوق السندات الأمريكية دخل مرحلة جديدة لا يكفي فيها التركيز على قرارات الفيدرالي وحدها. العجز المالي، حجم إصدارات الخزانة، التضخم، علاوة الأجل، واتجاه عوائد السندات العالمية أصبحت جميعها عوامل مترابطة تحدد تكلفة الاقتراض الأمريكي.
ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب هو استمرار الضغوط الصعودية على عوائد السندات مع ارتفاع مستويات التقلب، وليس بالضرورة صعودًا خطيًا. وسيكون العامل الحاسم هو قدرة الولايات المتحدة على استعادة ثقة المستثمرين في مسار المالية العامة، بالتزامن مع وضوح أكبر في سياسة الاحتياطي الفيدرالي.
وحتى يتحقق ذلك، أعتقد أن عوائد الخزانة الأمريكية ستظل واحدة من أهم مؤشرات المخاطر في الأسواق العالمية، وأن أي ارتفاع جديد في عائد الـ30 عامًا سيكون إشارة تستحق المتابعة عن كثب من قبل المستثمرين في الدولار والأسهم والذهب.










