لم تكن تحركات الذهب خلال الأيام الماضية مجرد ارتفاعات وانخفاضات عادية بل كانت انعكاسا واضحا للصراع الذي تعيشه الأسواق بين المخاوف الجيوسياسية والسياسة النقدية الأمريكية وارتفاع عوائد السندات فالمعدن الأصفر الذي اعتاد المستثمرون اللجوء إليه خلال الأزمات وجد نفسه أمام ضغوط مختلفة جعلته عاجزا في بعض الجلسات عن الاستفادة من التوترات العالمية
ولفهم ما يحدث للذهب علينا أن نبدأ من النفط لأن ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات في الشرق الأوسط أعاد مخاوف التضخم إلى الواجهة وهذا دفع المستثمرين إلى إعادة النظر في مستقبل أسعار الفائدة الأمريكية فكلما ارتفعت احتمالات استمرار الفائدة عند مستويات مرتفعة ازدادت جاذبية الدولار والسندات وأصبح الذهب أمام منافسة قوية باعتباره أصلا لا يمنح حائزه عائدا دوريا
وهنا ظهرت المفارقة التي أربكت الكثير من المتداولين فالحروب عادة ما تدعم الذهب لكن ارتفاع النفط الناتج عن هذه الحروب قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم ومن ثم يدفع الفيدرالي إلى التشدد وهذا يعني أن الحدث الجيوسياسي نفسه قد يكون داعما للذهب من جهة وضاغطا عليه من جهة أخرى
وخلال جلسات أكتوبر شاهدنا هذا الصراع بصورة واضحة عندما تعرض الذهب للضغط مع قوة الدولار وارتفاع العوائد قبل أن يستعيد جزءا من خسائره خلال تداولات الثالث عشر من أكتوبر مع تراجع العملة الأمريكية وانخفاض أسعار النفط ليعود المعدن إلى منطقة أربعة آلاف ومئتين وخمسة عشر دولارا للأونصة تقريبا
لكن هل هذا الارتفاع يعني انتهاء التصحيح
من وجهة نظري لا يمكن الحكم على انتهاء التصحيح من جلسة واحدة لأن الذهب يحتاج إلى مجموعة من المتغيرات الاقتصادية حتى يستعيد زخمه الصاعد وأهمها تراجع عوائد السندات الأمريكية وخصوصا العوائد الحقيقية وانخفاض قوة الدولار وظهور بيانات تضخم تمنح الفيدرالي مساحة للتريث بدلا من التفكير برفع جديد للفائدة
وهنا يأتي دور مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي الذي يمثل أحد أهم اختبارات المرحلة المقبلة فإذا جاءت القراءة أقل من التوقعات فقد تبدأ الأسواق بتقليل رهانات التشديد النقدي وهو ما قد يدفع العوائد والدولار إلى التراجع ويمنح الذهب فرصة جديدة للصعود أما إذا جاءت القراءة أعلى من المتوقع وخصوصا في التضخم الأساسي فقد تعود الضغوط على المعدن الأصفر حتى مع استمرار التوترات الجيوسياسية
أما من الناحية السعرية فإن منطقة أربعة آلاف ومئتين وخمسة وثلاثين دولارا تمثل مستوى مقاومة قريبا يستحق المراقبة خلال الفترة المقبلة واختراقها والثبات فوقها قد يعطي إشارة أولية إلى تحسن الزخم الشرائي بينما الفشل في تجاوزها قد يعيد الذهب إلى اختبار مناطق أدنى
لكن لا ينبغي التعامل مع هذا المستوى باعتباره ضمانا للصعود لأن تحديد مناطق الدعم التالية يحتاج إلى تأكيد من حركة السعر على الرسم البياني وليس من الأخبار الاقتصادية وحدها
السيناريو الذي أرجحه مشروط بما سيحدث في سوق السندات فإذا تراجعت العوائد بالتزامن مع بيانات تضخم أهدأ فقد تتحسن فرص الذهب في استعادة مساره الصاعد أما استمرار ارتفاع العوائد وقوة الدولار فقد يبقي المعدن داخل موجة من التقلبات والتصحيحات
ولهذا أرى أن المتداول الذي يريد فهم الاتجاه القادم للذهب يجب ألا يكتفي بمتابعة أخبار الحروب أو قرارات الفيدرالي بل عليه مراقبة العلاقة بين النفط والتضخم والدولار والعوائد لأن هذه المتغيرات أصبحت تتحكم بجزء كبير من حركة المعدن الأصفر
فالذهب اليوم لا ينتظر خبرا سياسيا واحدا حتى يتحرك وإنما ينتظر تغيرا حقيقيا في توقعات السياسة النقدية الأمريكية وهذا ما قد يحدد إن كانت الحركة الحالية بداية تعاف جديد أم مجرد ارتفاع مؤقت داخل مرحلة التصحيح










