الذهب (XAUUSD) يترقب صدمة التضخم.. إلى أين ستتجه الأسعار؟
تتحرك أسعار الذهب (XAU/USD) في مرحلة مفصلية تتداخل فيها الضغوط النقدية مع المخاطر الجيوسياسية وتغير توقعات التضخم الأمريكي، وسط ترقب المستثمرين لبيانات مؤشر أسعار المستهلك، التي قد تعيد رسم توقعات أسعار الفائدة ومسار الدولار الأمريكي خلال المرحلة المقبلة. ومن وجهة نظري، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بقدرة الذهب على الارتداد من مستوياته الحالية، بل بمدى استدامة الضغوط التي تحد من جاذبيته، واحتمالات امتداد التصحيح الهابط نحو مستويات أدنى.
التضخم الأمريكي.. المحرك الأهم لتوقعات الذهب
أرى أن بيانات التضخم الأمريكية تمثل العامل الأكثر حساسية في تحديد الاتجاه المقبل لأسعار الذهب، خصوصًا في ظل ارتباطها المباشر بتوقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي. فإذا جاءت قراءة مؤشر أسعار المستهلك أعلى من توقعات الأسواق، فقد تتزايد المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية، بما يقلص فرص خفض أسعار الفائدة ويدعم بقاء السياسة النقدية مقيدة لفترة أطول.
وتكمن أهمية هذه البيانات في ضرورة التمييز بين التضخم العام والتضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، إذ يمكن لارتفاع أسعار النفط وتكاليف الإمدادات أن يدفع المؤشر العام إلى مستويات أعلى، دون أن يعكس بالضرورة تسارعًا مماثلًا في الضغوط السعرية الأساسية. ومن وجهة نظري، فإن استمرار ارتفاع التضخم الأساسي سيكون أكثر إزعاجًا للأسواق، لأنه قد يشير إلى أن معركة السيطرة على الأسعار لم تنتهِ بعد.
الفيدرالي والدولار.. ضغوط إضافية على المعدن الأصفر
في تقديري، لا يمكن بناء توقعات أسعار الذهب بمعزل عن مسار السياسة النقدية الأمريكية. فالذهب، باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا دوريًا، قد يفقد جزءًا من جاذبيته عندما ترتفع العوائد الحقيقية على السندات والأصول المنافسة، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع ارتفاع الدولار الأمريكي.
وإذا جاءت بيانات التضخم أقوى من المتوقع، فقد تعيد الأسواق تسعير مسار الفائدة الأمريكية، بما يدعم الدولار ويزيد الضغوط البيعية على الذهب. لكنني لا أرى أن العلاقة بين هذه المتغيرات آلية أو ثابتة في جميع الظروف؛ إذ تعتمد استجابة السوق على مدى مفاجأة البيانات، وتوقعات المستثمرين السابقة، واتجاه العوائد الحقيقية، إلى جانب تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي.
في المقابل، قد تمنح قراءة تضخم أضعف من المتوقع الذهب فرصة لاستعادة الزخم الصعودي، إذا أدت إلى تراجع الدولار والعوائد وتزايد الرهانات على تيسير السياسة النقدية. ومع ذلك، فإن صدور بيانات إيجابية للذهب لا يعني بالضرورة انطلاق موجة صعود مستدامة، ما لم تتأكد عودة الطلب الشرائي.
المخاطر الجيوسياسية والطاقة.. مفارقة تؤثر في توقعات الذهب
لا يمكن تجاهل تأثير التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة في حركة الذهب. فعلى الرغم من أن تصاعد المخاطر العالمية يعزز عادة الطلب على الملاذات الآمنة، فإن ارتفاع أسعار النفط قد يفاقم الضغوط التضخمية، ويمنح الاحتياطي الفيدرالي مبررات إضافية للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة.
وهنا تكمن المفارقة التي أعتبرها جوهرية في المشهد الحالي: العامل الذي يدعم الذهب من زاوية التحوط من المخاطر قد يتحول إلى مصدر ضغط عليه عبر قناة التضخم والسياسة النقدية. لذلك، فإن تقييم تأثير التطورات الجيوسياسية يجب أن يأخذ في الاعتبار رد فعل الدولار والعوائد، وليس مجرد ارتفاع الطلب على الأصول الآمنة.
توقعات أسعار الذهب: هل يقترب الهبوط نحو 4100 دولار؟
من منظور السيناريوهات المحتملة، أرى أن المخاطر قصيرة الأجل تميل إلى الجانب السلبي إذا استمر التضخم في إظهار مقاومة للانخفاض، وظل الدولار والعوائد مدعومين بتوقعات السياسة النقدية المتشددة. وفي هذه الحالة، قد يتعرض الذهب لموجة بيع جديدة، مع بقاء مستوى 4100 دولار للأونصة منطقة مهمة تستحق المتابعة، دون اعتباره هدفًا حتميًا.
أما إذا جاءت البيانات الأمريكية أضعف من المتوقع، وتراجعت العوائد الحقيقية بالتزامن مع ضعف الدولار، فقد يستعيد الذهب جزءًا من خسائره، خصوصًا إذا عادت المخاطر الجيوسياسية إلى الواجهة وتعزز الطلب الاستثماري على المعدن النفيس.
خلاصة رؤيتي: الذهب أمام اختبار اقتصادي حاسم
في تقديري، لا يزال الذهب أمام اختبار حقيقي ستتحدد نتائجه من خلال التفاعل بين التضخم الأمريكي وأسعار الفائدة والدولار والمخاطر الجيوسياسية. ولا أتعامل مع الهبوط المحتمل باعتباره نتيجة محسومة، لكنني أرى أن استعادة الاتجاه الصعودي تتطلب تحسنًا ملموسًا في البيئة النقدية وظهور مؤشرات واضحة على عودة المشترين.
وبالنسبة لي، فإن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس على رد الفعل اللحظي لبيانات التضخم، بل على ما ستكشفه بشأن المسار المستقبلي للسياسة النقدية الأمريكية. فإما أن تتجدد الضغوط البيعية ويدخل مستوى 4100 دولار دائرة الاختبار، أو تتراجع قوة الدولار والعوائد بما يمنح الذهب فرصة لبناء قاعدة تعافٍ أكثر استدامة.










